فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 36

354)، وهو ما قلناه من قبل. لقد كان على طه حسين في الحقيقة، بدلا من اللف والدوران، أن يحدد موقفه من الدين، وهو ما فعله في نفس المقال الذى نحن بصدده، إذ قال:"إن العالِم ينظر إلى الدين كما ينظر إلى اللغة، وكما ينظر إلى الفقه، وكما ينظر إلى اللباس، من حيث إن هذه الأشياء كلها ظواهر اجتماعية يُحْدِثها وجود الجماعة وتتبع الجماعة في تطورها. وإذن فالدين في نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية، لم ينزل من السماء ولم يهبط به الوحى، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها، وإنْ رأى دوركايم أن الجماعة تعبد نفسها، أو بعبارة أدق أنها تؤلِّه نفسها" (السابق/ 348 - 349) .

بهذا يكون موقف طه حسين آنذاك واضحا: فهو لا يؤمن بالإسلام، إن آمن به، على أنه دين سماوى أوحاه الله إلى نبيه محمد، بل على أنه اختراع بشرى. وإذن فالرافعى لم يكن متجنيا عليه قِيدَ شعرة حين رماه بالكفر والإلحاد. وأحب أن أبادر هنا إلى القول بأننى لا أريد بهذا أن أسىء إلى طه حسين، بل أبحث فقط الأمر بحثا علميا. وإذن أيضا فإن طه حسين حين أعلن، في الخطاب الذى أرسله، على أثر الهجوم عليه بسبب كتابه، إلى مدير الجامعة أحمد لطفى السيد، أنه مسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لم يكن يعنى ما يقول (السابق/ 165) ، إلا أن يكون الخطاب من تأليف لطفى السيد نفسه، وهو في الواقع به أشبه. ذلك أن الإنسان لا يمكنه أبدا أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في ذات الوقت لا يؤمن بوحى ولا بإله، ما دامت الجماعة إنما تؤله نفسها وتعبد في الحقيقة ذاتها، وما دام الدين لم ينزل من السماء، وإنما نبع من الأرض اختراعا بشريا. أما زعمه أنه لم يتعمد في كتابه الخروج على الدين فهو خداع لا يجوز في العقول، لأنه إذا لم يكن وصْفه لبعض قصص القرآن (فى كتابه:"فى الشعر الجاهلى") بأنها أساطيرُ مخترَعةٌ لغايات سياسية، وقوله إن المسلمين هم الذين ردّوا الإسلام في خلاصته إلى دين إبراهيم وغير ذلك، هو الخروج على الدين فإنه لا يوجد شىء إذن اسمه الخروج على الدين. وقد دعت هذه المخادعة الأستاذ الرافعى إلى تكذيبه ووصفه بعدم الحياء والعناد والمكابرة والكذب والسخرية بعقل الأمة (السابق/ 243) .

والغريب أن الصحفى السورى سامى الكيالى، الذى رمى من اتهموا طه حسين في دينه بالرجعية والجمود بسبب ما ورد في كتابه"فى الشعر الجاهلى"هو نفسه الذى طبع ونشر لإسماعيل أدهم بحثا بعنوان"طه حسين- دراسة وتحليل" (مطبعة مجلة"الحديث"/ حلب/ 1938م) . وفى هذا البحث يمدح أدهم الدكتور طه واصفا إياه بالإلحاد والثورة على الدين، كما يشير إلى رأيه الذى يَعُدّ فيه الدين نتاجا بشريا. والغريب كذلك أن هذا البحث قد أُعِيد نشره في عدد من أعداد مجلة"الحديث"نفسها التى كان يصدرها الكيالى، وكان ذلك في نفس العام (عدد نيسان/ إبريل) ، ولكن بعد أن حُذِفت منه العبارات التى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت