فهرس الكتاب
أقدم كتاب وصلنا في السيرة النبوية (ص40) ، وذلك رغم وجود كتابين آخرين على الأقل يرجعان إلى مؤلفَيْن سابقَيْن عليه، وهما كتابا"مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم"لعروة بن الزبير (ت94هـ) بتحقيق د. محمد مصطفى الأعظمى ونَشْر مكتب التربية العربى لدول الخليج بالرياض عام 1401هـ- 1881م، و"المغازى النبوية"لابن شهاب الزهرى (ت124هـ) ، الذى حققه وأخرجه د. سهيل زكار عن دار الفكر بدمشق عام 1401هـ- 1881م أيضا. كما أن كاتبنا التونسى، أثناء حديثه عن الأمم القديمة التى ورد ذكرها وذكر أنبيائها في القرآن، يتحذلق فيقول إن"ثمود"يصف الأمم القديمة الكافرة بأنهم كانوا"فرهين"، أى فرحين بما أنجزوه (ص171 - 172) ، متصورا بعبقريته التى لم يؤتها الله أحدا آخر سواه أن ثمود نبى من أنبياء الله أُرْسِل للأمم القديمة جمعاء وكأنها"شروة طماطم"أخذها كلها كما هى بعُجَرها وبُجَرها.
ومن هذا الوادى تصوره أن القرآن عندما سمَّى عبد العُزَّى عمَّ الرسول في سورة"المسد"باسم"أبى لهب"قد"منحه كنية رمزية تهديدية" (ص184) ، وهذا نص كلامه حرفيا. والواقع أن عبد العزى كان يسمَّى هكذا منذ البداية لحمرة لونه وإشراق وجهه. صحيح أن القرآن قد أوعده بأنه سيَصْلَى نارا ذات لهب، لكن تهديد القرآن له شىء، وتكنيته بهذه الكنية شىء آخر، إذ كان يكنى بها، كما قلنا، منذ الجاهلية من قِبَل الناس جميعا لا من قِبَل أعدائه فحسب. وكان بإمكان د. جعيط، إذا أراد أن يخالف ما تقوله الروايات التى وردتنا بهذا الشأن عن علمائنا القدامى، أن ينص أولا على تلك الروايات ثم يتناولها بالبحث ويورد في نهاية المطاف رأيه هو. وإذا كان الشىء بالشىء يُذْكَر فقد فسر د. محمود على مراد المارّ ذكره تكنية عم الرسول بـ"أبى لهب"بأنه هو الذى حفر الأخدود وملأه نارا وأحرق فيه المسلمين، فلهذا سماه القرآن:"أبا لهب". وهكذا تصاغ السيرة على أيدى علماء آخر زمن!
كذلك نجد هشام جعيط يزعم أن القرآن المكى يخلو من عداء أهل الكتاب (ص194) . يقول ذلك عقب إيراده ترتيب السور القرآنية زمنيا عن نولدكه الألمانى وبلاشير الفرنسى وعقب طنطنته بعمل هذين المستشرقين وبما يقدمه لدارس القرآن من فهم أعمق لتاريخ الدعوة وسيرة الرسول. وهو يريد من وراء كلامه القول بأن القرآن إنما يعكس رأى الرسول في الناس من حوله بناء على مواقفهم منه، وبما أن مكة لم يكن فيها نصارى أو يهود يعادونه فإن القرآن يخلو من الآيات التى تعيبهم وتعاديهم. والواقع أن هذا جهل مبين، إذ في القرآن المكى حملة على تأليه النصارى للمسيح عليه السلام (مريم/ 34 - 39، والزخرف/ 57 - 66) ، وحملة أعنف على اليهود لتكرر كفرهم بالله بعد أن جاءهم موسى بالبينات ولاتخاذهم العجل وغير ذلك (الأعراف/ 138 - 171، وطه/ 83 - 98) . فما قول القارئ الكريم في ذلك؟ ألا يرى أن طنطنة الرجل بما صنعه المستشرقان المذكوران هى طنطنة فارغة؟
ومن جهله كذلك ادعاؤه أن مشيئة الله في القرآن هى مشيئة اعتباطية إلى حد كبير (ص203) . لكنه