فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 36

وأول ملاحظة نخرج بها من هذا النص أن تساؤل جعيط عن حقيقة الدار التى بالصفا لا موضع له لأن الرواية التالية قد ذكرت أنها هى فعلا دار الأرقم بن أبى الأرقم. والواقع أن لهذه الملاحظة دلالتها الخطيرة، إذ تكشف مرة أخرى أن جعيط لا يحسن القراءة أو أنه يتخطفها تخطفا كما لاحظتُ من قبل على د. محمد مندور في الفصل الذى عقدته للشيخ حسين المرصفى من كتابى عن"مناهج النقد العربى الحديث". والثانية، وهى الأهم، أن البلاذرى لا يرفض الرواية التى تعزو إسلام عمر إلى قراءته آيات من القرآن الكريم، بل يؤمن بصحتها تمام الإيمان حسبما سنرى بعد قليل. وإنى لأتحدى جعيط وزعيط ومعيط ونطاط الحيط جميعا أن يدلونى على جملة أو كلمة أو همسة أو حتى نحمة من البلاذرى تومئ مجرد إيماء إلى أنه يرفض تلك الرواية. وكيف يرفضها، وقد أوردها بدل المرة مرتين، ثم عقب في نهاية كلامه على كل ما قاله عن عمر بما فيه هاتان الروايتان بأنه أصحّ ما سمعه في هذا الموضوع؟ على أن المسرحية لما تنته فصولا، فإن الإسناد الذى ساقه جعيط هو إسناد الرواية التى ينكرها جلالته ويومئ إلى أن الواقدى ينكرها هو أيضا. أما الخبر الذى أورده هو باعتباره الرواية التى يقبلها البلاذرى ويرفض ما عداها، وهو:"أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة"، فهذا إسناده:"حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة: ثنا عبد الله بن إدريس الأودي: ثنا حصين بن هلال بن إساف". ثم إن هذا الخبر لا يتعارض بحال والروايتان الأخريان اللتان ساقهما البلاذرى، بل يتكاملان: الخبر بإيجازه، والروايتان التاليتان له بما فيهما من تفصيلات وتوضيحات. وهكذا نلمس مرة أخرى بأيدينا لمسا أن د. جعيط لا يحسن القراءة أو على الأقل: لا يحسن الفهم. وهذا إن لم يكن يتعمد التدليس تعمدا، وهو ما لا أستبعده أبدا.

والعجيب أن يتهم جعيط ابن إسحاق ويزعم أنه، لتشيعه وخضوعه لضغط العباسيين الذين كتب السيرة النبوية في عهدهم، قد أسند لبنى هاشم، وخصوصا العباس، دورا فىحماية النبى أكبر كثيرا من الواقع تقربا إلى بنى العباس (ص252) . وهذا الكلام قد سبق أن قاله د. محمد على مراد، الذى رددتُ عليه وفنّدتُ كل ما قاله همسة همسة، ونحمة نحمة، فكتب مقالا في مجلة"المصور"القاهرية يتهم فيه العبد الفقير إلى ربه تعالى بأنه يرهبه ويكفره، إذ اتهم د. مراد ابن إسحاق نفس الاتهامات وأدار عليها رسالته من أولها إلى آخرها. ولست أدرى أكان ترديد جعيط لكلام مراد مجرد مصادفة أم اطلع على ما كتب الرجل فأخذه دون أن يشير إليه. ذلك أن تلك الأطروحة لا تظهر بين مراجع جعيط. ونترك هذه النقطة للباحثين يحققونها على مهل.

وسواء كان جعيط قد أخذ من مراد أو لم يأخذ فالكلام الذى قاله هو، في الحق، تنطعٌ ماسخٌ. لماذا؟ لقد سبق أن أثبتُّ في كتابى:"إبطال القنبلة النووية الملقة على السيرة النبوية"، الذى فندتُ فيه أطروحة الدكتور مراد تفنيدا لم يترك فيها موضعا لثَقْب إبرة دون أن ينسفه، أن ابن إسحاق عالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت