فهرس الكتاب
فاضل لا ينزل إلى هذا المستوى الواطى الذى يحاول جعيطنا أن ينزله إليه، متجاهلا أن هناك علماء كراما لا يبيعون ضمائرهم ولا يرضَوْن أن يعيشوا أذنابا لبعض الجهات كبعض الناس وينعقوا بما ينعق هؤلاء به. وبرهنت على ذلك بما قاله القدماء الأثبات في ابن إسحاق وعلمه وفضله، وكذلك المستشرقون. كما لفتُّ الانتباه إلى أن العباسيين شىء، والشيعة شىء آخر، وأنه كان بين الفريقين عداوة ملتهبة طوال التاريخ، فلا معنى إذن للقول بأن تشيع ابن إسحاق المزعوم قد جعله يزيف التاريخ من أجل إرضاء العباسيين.
ثم لا ننس أن ابن إسحاق لم يسند حماية النبى إلى العباس بل إلى أبى طالب. كما لا ينبغى أن يفوتنا ما كتبه في سيرته من أن أبا طالب قد مات على دين قومه. أفلو كان الرجل يكتب التاريخ كى يرضى بنى هاشم أكان يميت شيخهم في عهد النبى كافرا بالدين الذى أتى به ابن أخيه؟ ومِثْلَ ذلك قٌلْ فيما كتبه عن أبى لهب، إذ كان يستطيع، ما دامت الأمور سائبة إلى هذا الحد وكان يمالئ الهاشميين كما يزعم جعيط، أن يُدْخِله الإسلام. وماذا في ذلك؟ وما الذى كان سيتكلفه في هذا أكثر من جرة قلم لا راحت ولا جاءت؟ ومن يا ترى يضرّه أن يقال إن أبا لهب قد أسلم وسوف يدخل الجنة؟ أما العباس الذى ينتمى إليه العباسيون فلم يُسْلِم في سيرة ابن إسحاق إلا في فتح مكة، مثله في ذلك مثل أبى سفيان. فأى فضل له في هذا بحيث يتخذه ابن إسحاق متقرَّبا إلى العباسيين؟ كذلك فما قاله ابن إسحاق في هذا الموضوع قد قاله عروة والزهرى في كتابيهما من قبل في العصر الأموى، أى قبل العباسيين. أقول هذا حتى لا ينبرى أحد من سخفاء العقل التافهين فيزعم أنهما قد كتبا هذا إرضاء للعباسيين. كما أن ابن حزم وابن عبد البر في كتابيهما عن السيرة النبوية قد قالا نفس الشىء، وكانا يعيشان في الأندلس في ظل حكم بنى أمية. أفترى جعيط يجرؤ على القول بأنهما كانا يتشيعان وكانا يريدان التقرب من بنى العباس؟ بل إنه هو نفسه قد شهد بأن السيرة رغم كتابتها في عهد بنى العباس لا تنال كثيرا من أجداد الأمويين ولا تنالهم بسوء كبير (ص261) . فماذا يريد أكثر من هذا كى يكف غَرْب لسانه عن ابن إسحاق ولا يفترى عليه الأكاذيب؟
أما بخصوص الفرية التى افتراها بعض شياطين أوربا في الفترة الأخيرة زاعمين أن القرآن لم يكن له وجود إلا بعد نزوله الذى يزعمه المسلمون بنحو قرن ونصف، إذ اخترعه العرب اختراعا واخترعوا معه شخصية محمد وتاريخه وتاريخ الفتوح والخلفاء الأربعة وخلفاء بنى أمية أيضا، فلم يجد هشام جعيط ما يقوله في الرد عليها إلا أن المسلمين كانوا يتلون القرآن في الصلاة بدليل أنه كانت هناك مساجد في الكوفة منذ عهد زياد، وأخرى في المدينة منذ عهد عبد الملك (ص24) . أرأيتم الكرم البالغ الذى يكرمناه الدكتور جعيط؟ إن معنى كلامه هذا هو أنه لم تكن هناك مساجد في الكوفة قبل زياد، ولا في المدينة قبل عبد الملك! ومعنى هذا مرة أخرى أن عليًّا لم يكن يصلى لا هو ولا رجاله في عاصمة