فهرس الكتاب
لمكة وجود! لقد نسى المجنون أن زمزم كانت ولا تزال هناك طول الوقت يشرب الناس ويستمدون حاجاتهم الأخرى من مائها فتكفيهم هم وضيوف الرحمن بحمد الله. وهذا أمر قد شهد به المستشرقون الذين استطاعوا الاندساس بين الحجيج والتظاهر بأنهم مسلمون وكتبوا عن البلد الأمين. وحتى بعد أن توفر لها ماء البحر المحلَّى فلا تزال المنطقة المحيطة بها واديا غير ذى زرع. وما زال الناس كذلك يقطنونها ويحبون العيش فيها حتى الآن رغم شدة حرارتها، وسيظلون يفعلون ذلك إلى ما شاء الله. وعلى أى حال فليس العيش فيها بالصعوبة التى عليها الحياة في مناطق الإسكيمو ولا بواحد على المليون منها، ومع ذلك فتلك المناطق تعجّ بالسكان ويحبها أهلها كما يحب أهل كل بلد بلدهم!
لقد فات ذلك المخبول أن الأصل في الأخبار عموما أنها صادقة ما لم يقم دليل على عكس ذلك أو يَحُكْ في النفس شىء مما سمعتْه، فعندئذ يشك الإنسان فيما بلغه، وحقّ له أن يشك. فما الذى في الخندق أو في وجود مكة أو المدينة مما يبعث على الريبة؟ لقد كان أحرى بهذا المجنون أن يذهب فيقرأ أولا قبل أن يتهور كل هذا التهور. هل يمكن أن يتصور عاقل أنه لم تكن هناك في بلاد العرب قبل الإسلام مدينة اسمها مكة، ثم نبتت هكذا نبتا عفاريتيا بعده، ثم لم يبد أحد دهشته (وبخاصة من سكانها الجدد الذين لم يكن لهم قبل ذلك وجود) من هذا التراث الغزير الهائل الذى يدور حولها شعرًا ونثرًا وتاريخًا ودينًا وأنسابًا والقائل بأنها طول عمرها كانت موجودة في جزيرة العرب؟ أترى الذين أنشأوا تلك المدينة وأَتَوْا بالناس ووضعوهم فيها كما توضع البلاليص في أماكنها دون أن يؤخذ لهم رأى قد ألزقوا لاصقًا على أفواههم إلى أن انطمست ذاكرتهم ولم يعودوا يعرفون شيئا عن أصلهم أو فصلهم ولا عن أصل مدينتهم أو فصلها، فعند ذلك رفعوا اللاصق وسمحوا لهم بالكلام؟ وهل فعلوا مثل ذلك مع سكان الأرض جميعا بما فيهم النصارى واليهود الذين كانوا يعيشون في جزيرة العرب قبل الإسلام ثم تم إجلاؤهم عنها بعده؟ ترى لماذا لم يفتح أحد من هؤلاء فمه فيفضح المستور ويكشف الزيف والتزييف؟ وماذا نقول في بطليموس الجغرافى اليونانى القديم الذى تكلم عنها وسماها"مَكُرَبا: Macoraba" ( كتاب وليم موير عن سيرة الرسول/ ص xc، ومادة"Mecca"فى الطبعة الأولى من"The Encyclopaedia of Islam") ؟ وماذا نصنع مع ما قاله هيرودوت عن اللات، إحدى الآلهة الوثنية التى كان لها صنم في كعبة مكة قبل الإسلام (وليم موير/ ص cii- ciii) ؟ كذلك ما العمل إزاء ما ذكره الرحالة الأوربى بروس ( Bruce) ، الذى زار بلاد الحبشة في القرن الثامن عشر الميلادى من أن الأحباش يروون في تواريخهم أن أبرهة قصد مكة ثم ارتد عنها لما أصاب جيشه من المرض الذى يصفونه بالجدرى (عباس محمود العقاد/ مطلع النور/ كتاب الهلال ديسمبر 1968م/ العدد 213/ 75) ؟ وفضلا عن ذلك فثمة بحث لكرزويل الآثارى المشهور يرد فيه على كايتانى المستشرق الإيطالى وما يذهب إليه من إنكار بناء قريش للكعبة، ويؤكد أن ما وصلنا في كتب