فهرس الكتاب
التاريخ عن هذا الأمر صحيح لا شك فيه (العقاد/ مطلع النور/ 76) . وهناك أيضا كتاب للمستشرق الهولندى دوزى يحاول أن يثبت فيه وجود بنى إسرائيل في مكة خلال عصورها الجاهلية عنوانه:"Die Israeliten zu Mekka"، كما كتب في نفس الموضوع المستشرق البلجيكى لامنس كتابا عنوانه:"Les Juives a la Mecque". ولم نسمع بأحد سواهما من المستشرقين أو غير المستشرقين ممن يؤبه بكلامهم أو لا يؤبه يقول إن مكة لم يكن لها في إقليم الحجاز أثناء الجاهلية وجود!
ثم لماذا يفعل العرب بعد الإسلام هذا كله؟ وهل يُتَصَوَّر أن يفكر الحكام العرب بعد الإسلام، وبعد أن أَضْحَوْا يسبحون في بحور الغنى والترف، في إنشاء مدينة مثل مكة في قلب الجبال والصحراء حيث يشحّ الماء (على أساس أن زمزم غير موجودة بناء على فرضيتة الطبيب الفرنسى الرذيلة مثله) وحيث تنعدم الزراعة والصناعة؟ ثم كيف يَرْضَوْن بعد ذلك كله، وهم المسلمون، أن يُنْسَب لآبائهم زورا وبهتانا أنهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام والأوثان وأنهم حاربوا القرآن والرسول الذى أتاهم به وحاولوا القضاء عليه وعلى دعوته، بل وصل الأمر بهم أن فكروا يوما في قتله والتخلص منه غدرا وغيلة؟ ومن المجنون الذى سولت له نفسه بالانتقال إلى مثل تلك المدينة دون أن يكون هناك جاذب من أى نوع يَهْوِى بفؤاده إليها حتى ولا ذكريات الطفولة والصبا فيها وكونها موطن الأجداد؟ باختصار لا يوجد سبب واحد، كما رأينا، يجعلنا نصدق هذا الهراء الجنونى، في الوقت الذى تتضافر كل الدواعى لرفضه والسخرية من عقل صاحبه.
ونفس الشىء الذى قاله مخبولنا عن مكة نجده في كلامه التالى عن يثرب، إذ يقول:"Le mot medina (s'ecrivant mdn) est un mot arameen syrien, et signifie district, dans la region de Madian (s'ecrivant aussi mdn) en Syrie". وكما قضى قضاءه المبرم في أمر مكة فحكم عليها أن تكون شامية لا عربية، ومُحْدَثة النشأة بعد الإسلام لا عريقة الجذور قبله، نراه هنا كذلك يصدر حكمه الذى لا يُصَدّ ولا يُرَدّ بأن المدينة هى أيضا ذات أصل شامى، وأن اسمها آرامى! ونفس الردود التى أوردناها عليه في تخريفاته الرقيعة عن مكة تكفى في الرد على تخريفاته هنا التى لا تقل عنها رقاعة! ونزيد على ذلك أن بطليموس وإسطفانوس البيزنطى قد كتبا عن المدينة وسمياها:"Yathrippa: يثربَا"، كما تشير إليها النقوش المعينية باسم"يثرب" (مادة"Al- Madina"فى"The Encyclopaedia of Islam") .
وبالإضافة إلى هذا فإن ثمة كتابات يهودية شامية من القرن الثالث قبل الميلاد تتحدث عن وجود يهود في منطقة خيبر وما حولها، وإن أنكرت عليهم طريقة ممارستهم لدينهم (إسرائيل ولفنسون/ تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام/ لجنة التأليف والترجمة والنشر/ 1927م/ 13) ، وهو ما يتسق مع ما يقوله المسلمون عن وجود يهود قبل الإسلام في تلك المناطق بما فيها