الصفحة 94 من 189

ومما لاشك فيه أن الوراقة كانت صناعة رائجة في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وكان يفد عليها جميع المشتغلين بالعلم بقصد الإطلاع أو بقصد النسخ أو الاستنساخ.

وكان بعض الوراقين يسعون إلي المؤلفين يحصلون منهم علي ما يمكن أن نسميه"حقوق النشر"بمصطلح العصر الحديث، ثم يمضون إلي العلماء وطلاب العلم يعرضون عليهم بضاعتهم من الكتب التي أعطي لهم مؤلفوها حق التوريق فيها. فمن أراد نسخه من الكتاب فما عليه إلا أن يتفق مع الوراق علي السعر والوقت اللازم لعملية النسخ والمراجعة والضبط.

ويبدو أن بعض الوراقين كانوا يباشرون أعمالهم في دور من يقومون بالوراقة لحسابهم.

كما أن بعض الوراقين كانوا موظفين دائمين عند علية القوم، ففي مصر علي سبيل المثال كان في خزانة الوزير"أبي الفضل بن الفرات"عدة وراقين، كان في دار الوزير"أبي الفرج يعقوب بن كلس"قوم يكتبون القرآن الكريم وأخرون يكتبون كتب الحديث والفقه والأدب حتى الطب، وكان الوزير ينفق علي من عنده من العلماء والوراقين والمجلدين ألف دينار كل شهر.

وفي الأندلس كان القاضي"أبس المطرف عبد الرحمن بن فطيس"ستة وراقين ينسخون له دائمًا، وكان قد رتب لهم علي ذلك راتبًا معلومًا.

وكثيرًا ما كان الوراقون يلجاون إلي اطلاب وغيرهم للمساعدة في عمليات الاستنساخ حين تضطرهم الظروف لتعجيل عمليات النسخ.

ومهما يكن من أمر فإن حركة الوراقة بلغت مجدها في القرنين الثالث والرابع الهجريين وهي صورة مشرفة تدعو إلي الفخر والإعجاب لأنها تعكس نشاط فكري رائع وتمثل جانبًا مضيئًا ليس فقط في تاريخ الثقافة العربية وإنما في تاريخ الحضارة الإنسانية كلها.

وقد كانت عاصمة العباسيين في ذلك الوقت تتمتع بثراء فكري وكانت سوق الوراقين مركزًا للنشاط العقلي، وكانت حوانيتهم مستودعًا لما أنتجه العرب في شتي فروع المعرفة. وكانت كثرة هذه الحوانيت ورواج سوقها دليلًا واضحا علي خصوبة الفكر العربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت