فهرس الكتاب
الفصل الحادي عشر
في مسيس الحاجة إلى علم القلب وتزكية النفس
قال العز بن عبد السلام: مبتدأ التكاليف كلِّها ومحلها أو مصدرها القلوب، وأول واجب يجب بعد النظر معرفةُ الله ومعرفة صفاته، وهي شرط في جميع عباداته وطاعاته، والطاعات كلها مشروعة لإصلاح القلوب والأجساد، ولنفع العباد في الآجل والمعاد إما بالتسبب أو بالمباشرة، وصلاح الأجساد موقوف على صلاح القلوب، وفساد الأجساد موقوف على فساد القلوب, ولذلك قال النبي /: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب، أي: إذا صلحت بالمعارف ومحاسن الأحوال والأعمال صلح الجسد كله بالطاعة والإذعان، وإذا فسدت بالجهالات ومساوئ الأحوال والأعمال فسد الجسد كله بالفسوق والعصيان [1] .
وقال ابن القيم: فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى هملا بل جعلهم موردا للتكليف ومحلا للأمر والنهي, وألزمهم فَهْمَ ما أرشدهم إليه مجملا ومفصلا, وقسمهم إلى شقي وسعيد, وجعل لكل واحد من الفريقين منزلا, وأعطاهم مواد العلم والعمل من القلب والسمع والبصر والجوارح نعمةً منه وتفضيلا, فمن استعمل ذلك في طاعته وسلك به طريقَ معرفته على ما أرشد إليه ولم يَبْغِ عنه عدولا فقد قام بشكر ما أوتيه من ذلك وسلك به إلى مرضاة الله سبيلا, ومن استعمله في إرادته وشهواته ولم يرع حق خالقه فيه يخسر إذا سئل عن ذلك ويحزَن
(1) قواعد الأحكام 1/ 197 - 198