فهرس الكتاب
اشتغالهم ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول / وأصحابه, ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير, وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة, ومسائلُ الخلاف وإن كانت من علم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب, ومن لم يَطَّلع على أسرار سير السلف وحال الذي تمذهب له لم يمكنهم سلوك طريقهم, وينبغي أن يعلم أن الطبع لِصٌّ فإذا تُرك مع أهل هذا الزمان سرَق من طبائعهم فصار مثلَهم, فإذا نظر في سير القدماء زاحمهم وتأدب بأخلاقهم, وقد كان بعض السلف يقول: حديث يرِق له قلبي أحب إليَّ من مائة قضية من قضايا شريح, وإنما قال هذا لأن رقة القلب مقصودة ولها أسباب [1] .
وقال ابن الجوزي: تأملت العلم والميل إليه والتشاغل به، فإذا هو يُقوِّي [في] القلب قوة تميل به إلى نوع قساوة, ولولا قوة القلب وطول الأمل لم يقع التشاغل به, فإني أكتب الحديث أرجو أن أرويه، وأبتدئ بالتصنيف أرجو أن أتمه، فإذا تأملت باب المعاملات قَلَّ الأمل، ورق القلب، وجاءت الدموع، وطابت المناجاة، وغشيت السكينة، وصِرتُ كأني في مقام المراقبة, إلا أن العلم أفضل وأقوى حجة، وأعلى رتبة، وإن حدث منه ما شكوتُ منه, والمعاملة وإن كثرت الفوائد التي أشرت إليها منها، فإنها قريبة إلى أحوال الجبان الكسلان، الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره، وانفرد بعزلته عن اجتذاب الخلق إلى ربهم, فالصواب العكوف على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات تلذيعا لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم, فإني لأكره لنفسي من جهة ضعف قلبي ورقته أن أُكثر زيارة
(1) تلبيس إبليس (ص 107)