فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 157

لسانه, إن هذا العلم هو لُبُّ العلم وغايته وكل مسلم محتاج إليه والعالِم أشد حاجة إليه، والداعي أحوج من الجميع إليه, إن هذا العلم هو الذي نسميه «الفهم الدقيق» , وهو الذي فقِهه الصحابة الكرام وأُشربت به عقولهم وقلوبهم فضنوا بوقتهم أن يذهب سدى في غير طاعة الله ودعوةٍ إليه، فنشِطت جوارحهم في العبادة والجهاد في سبيل الله والدعوة إليه حتى أتاهم من ربهم اليقين [1] .

قال الإمام الغزالي: كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومُفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب, ويدلك عليه قوله عز وجل: {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم} , وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسَّلَم والإجارة, فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف, بل التجرد له على الدوام يُقَسِّي القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له, وقال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا} , وأراد به معاني الإيمان دون الفتاوى [2] .

قال محمد بن عبادة المعافري: كنا عند أبي شريح رحمه الله فكثُرت المسائل، فقال: قد دَرِنت قلوبكم، فقوموا إلى خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، فإنها في غير ما نزل تقسي القلب، وتورث العداوة. قال الذهبي: صدق والله [3] .

وقال ابن الجوزي: ومن ذلك أنهم - يعني الفقهاء - جعلوا النظرَ جُلَّ

(1) أصول الدعوة (ص 327 - 328)

(2) إحياء علوم الدين 1/ 32

(3) سير أعلام النبلاء 7/ 182 - 183

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت