فهرس الكتاب
رأى يتيما أو مسكينا من أبناء المستضعفين لفَرَّ عنه واستنكف أن يباشره فضلا عن التمسح عليه للرحمة وما بَعْدَ ذلك من مقامات العطف والحُنُوِّ والصدقة, فهذا إنما حصل له من رحمة اليتيم مقامُ العلم ولم يحصل له مقام الحال والاتصاف, ومن الناس من يحصل له مع مقام العلم والاعتراف بأن رحمة المسكين قربة إلى الله تعالى مقام آخرُ أعلى من الأول, وهو الاتصاف بالرحمة وحصول ملكتها, فمتى رأى يتيما أو مسكينا بادر إليه ومسح عليه والتمس الثواب في الشفقة عليه, لا يكاد يصبر عن ذلك ولو دُفِع عنه, ثم يتصدق عليه بما حضره من ذات يده, وكذا علمك بالتوحيد مع اتصافك به, والعلم حاصل عن الاتصاف ضرورةً, وهو أوثق مبنًى من العلم الحاصل قبل الاتصاف, وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم حتى يقع العمل ويتكرر مرارا غير منحصرة فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق ويجئ العلم الثاني النافع في الآخرة, فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع, وهذا علمُ أكثرِ النظار, والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة [1] .
وقال الشيخ عمر محمود أبو عمر: وأنا أحاول جهدي أن أهرب من لفظ «العقيدة» ، لأن هذا اللفظ ليس أثريا [2] ، وثانيا: لأنني أعتبر أن هذا اللفظ هو
(1) مقدمة ابن خلدون (ص 583)
(2) زهران: قال طه جابر العلواني في هامش كتابه ابن تيمية وإسلامية المعرفة (ص 19) : شاع استعمال مصطلح"العقيدة"للتعبير عن"الإيمان"في العصر العباسي كما ذهب إليه الأستاذ محمد المبارك - رحمه الله - في كتابه"الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية", ص 75. وقال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه معجم المناهي اللفظية: في «مجلة مجمع اللغة العربية بمصر» بحثٌ للأستاذ عبد الصبور شاهين بعنوان: «حول كلمة عقيدة» استقرأ فيه عدم وجود هذه اللفظة في الكتاب أو السنة، ولا في أُمهات معاجم اللغة، وأن أول من تم الوقوف على ذكره لجمعها (عقائد) هو القشيري (م سنة 437 هـ) في «الرسالة» كما في أولها، ومن بعده أبو حامد الغزالي م سنة 505 هـ، جاء بمفردها (عقيدة) ، وهي: على وزن فعِيلة جمعها: فعائل، مثل: صحيفة وصحائف قياسًا، وأما من حيث معناها فهي مولدة، إذ لم تكن في الصدر الأول، والذي يسبقها في الاستعمال لفظ: اعتقاد، وهي تدل على إيمان القلب، ويسبقها أيضًا كلمة: معتقد، وكان ابن جرير الطبري م سنة 310 هـ -رحمه الله تعالى-: يذكر كلمتي: معتقد واعتقاد، وكما في مقدمة الشيخ أحمد شاكر لتفسيره. والله أعلم. قال الشيخ بكر: انظر المجلة 22/ 68 - 74 لعام 1387 هـ. وكتاب في مجال العقيدة، لغازي التوبة ص / 53 - 55.