فهرس الكتاب
وقال ابن القيم: وأما عشاق العلم فأعظم شغفا به وعشقا له من كل عاشق بمعشوقه, وكثير منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر, وقيل لامرأة الزبير بن بكار أو غيره: هنيئا لك إذ ليست لك ضرة, فقالت: والله لهذه الكتب أضر عليَّ من عدة ضرائر, وحدثني أخو شيخنا عبد الرحمن بن تيمية عن أبيه قال: كان الجدُّ إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك حتى أسمع [1] , وأعرف من أصابه مرض من صداع وحمى وكان الكتاب عند رأسه فإذا وجد إفاقةً قرأ فيه فإذا غُلِب وضعه, فدخل عليه الطبيب يوما وهو كذلك فقال: إن هذا لا يحل لك فإنك تعين على نفسك وتكون سببا لفوات مطلوبك, وحدثني شيخنا قال: ابتدأني مرض فقال لي الطبيب: إن مطالعتك وكلامَك في العلم يزيد المرض, فقلت له: لا أصبر على ذلك وأنا أحاكمك إلى علمك, أليست النفس إذا فَرِحت وسُرَّت قويت الطبيعة فدفعت المرض, فقال: بلى, فقلت له: فإن نفسي تُسَرُّ بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة, فقال: هذا خارج عن علاجنا, أو كما قال.
فعِشْقُ صفات الكمال من أنفع العشق وأعلاه, وإنما يكون بالمناسبة التي بين الروح وتلك الصفات, ولهذا كان أعلى الأرواح وأشرفها أعلاها وأشرفها معشوقا كما قيل:
أنت القتيل بكل من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي [2]
ومما وقعت عليه عيني أن المخترع الأمريكي المشهور توماس أديسون [3] أشفقت عليه زوجته مما رأته من إجهاده لنفسه وحمله عليها في البحث والكشف,
(1) قال ابن رجب: يشير بذلك إلى قوة حرصه على العلم وحصوله، وحفظه لأوقاته. ذيل طبقات الحنابلة 4/ 5
(2) روضة المحبين (ص 69 - 70)
(3) أديسون، توماس ألفا (1847 - 1931م) أشهر مخترع أمريكي في التاريخ. لم ينل من التعليم الرسمي أكثر من ثلاثة أشهر فقط، لكنه غير حياة الملايين من البشر باختراعات منها: المصباح الكهربائي, وسجل ما مجموعه 1093 اختراعا. عرَّف أديسون العبقرية بأنها 1% إلهام و99% جهد. كان العمل رفيقه الدائم ومتعته العظيمة طوال سنوات حياته. انظر الموسوعة العربية العالمية.