فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 157

وقال الشيخ محمد الغزالي: ما أجمل العمل المصحوب بالسرور والرضا، إن المرء يقوم به وهو مستريح له، يطوي مراحله بأجنحة الشوق ويغالب صعابه بعزم من حديد, أما العمل الكريه فإن الإنسان يباشره ضائقَ الصدر يستصعب سهله، ويود الخلاص منه! طالب المعرفة يقرأ بشغف ويشارك قلبه وبصره في الوعي والإفادة! أما المكره على الدراسة فهو يَرْمُق الكتاب وكأنه عدو مبين .. ! وما يتم عمل عظيم إلا إذا كان مقرونا بالرغبة الصادقة والإقبال العارم، عندئذ تنتظر مواقف البطولة وترى مغالبة بين الإرادة الشديدة والغاية البعيدة، يتحقق فيها قول أبي الطيب:

وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام [1]

ومما قاله القاضي عياض في ترجمة أبي عمر أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المعروف بابن المكوى: كان قد حُبِّب إليه الدرس مدة عمره لا يفتُر عنه ليلَه ونهاره، ورجعت فيه لذته. وكان أولَ طلبه ممكنا في عيشه يتجر في سوق البزازين لا يفارق أثناء ذلك المطالعة في جلوسه وحركته. ذكر أن صديقا له قصده في عيد زائرا له فأصابه داخلَ داره ودربُه مفتوح، فجلس منتظرَه وأبطأ عليه، فأوصى إليه فخرج وهو ينظر في كتاب فلم يشعر بصديقه حتى عثر فيه لاشتغال باله بالكتاب، فتنبه حينئذ له، وسلم عليه، واعتذر إليه من احتباسه بشغله بمسألة عويصة لم يمكنه تركها حتى فتحها الله عليه، فقال له الرجل: في أيام عيد ووقت راحة مسنونة؟ فقال: إذا علمت بهذه النفس انصبت إلى هذه المعرفة، والله ما لي راحة ولا لذة في غير النظر والقراءة [2] .

قال ابن الجوزي: ما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق العلم [3] .

(1) الحق المر 3/ 143

(2) ترتيب المدارك 7/ 123 - 125

(3) صيد الخاطر (ص 456)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت