فهرس الكتاب
ولما ذكر ابن القيم سعادة العلم النافع ثمرتُه وقال: هي: السعادة الحقيقية، وهي سعادة نفسانية روحية قلبية, قال رحمه الله: وإنما رغَّب أكثرَ الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وُعُورةُ طريقها، ومرارة مباديها، وتعب تحصيلها، وأنها لا تنال إلا على جد من التعب، فإنها لا تحصل إلا بالجد المحض [1] , ثم قال ابن القيم: وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية, وقد أحسن القائل في ذلك:
فقل لمرجي معالي الأمور ... بغير اجتهاد رجوت المحالا
وقال الآخر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفقر والإقدام قَتَّال
ومن طمحت همته إلى الأمور العالية فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية, وهي السعادة وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي وإنها متى أُكرِهت النفسُ عليها وسيقت طائعة وكارهة إليها وصبرت على لأوائها وشدتها أفضت منها إلى رياض مونقة ومقاعدَ صدق ومقامٍ كريم تجد كل لذة دونها لعبَ الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك, فحينئذ حال صاحبها كما قيل:
وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى ... إلى غاية ما بعدها لي مذهب
فلما تلاقينا وعاينت حسنها ... تيقنت أني إنما كنت ألعب
فالمكارم منوطة بالمكارة والسعادةُ لا يُعبَر إليها إلا على جسر المشقة, فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد, قال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم, وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
(1) مفتاح دار السعادة 1/ 108