فهرس الكتاب
ثم يضيف د. الريسوني""ومعنى هذا أننا سنكون أمام مصالح عظمى سيجنيها الأفراد والمجتمع والدولة ومؤسساتها وميزانيتها، مقابل أفراد قلائل سيتضررون بما كسبوه ظلمًا وعدوانًا . وإذا كان قطع بعض الأيدي يسبب تعطيلًا جزئيًا لأصحابها في عملهم وإنتاجهم، فإن في سجن الألوف من السراق لشهور وسنوات تعطيلًا لهم ، يضاف إلى ذلك أن السجن يشكل - في كثير من الحالات - مدرسة ممتازة لتعليم الإجرام، وربط العلاقات بين المجرمين ، فهاتان مفسدتان لا بد من وضعهما في الميزان، فهل إذا نظرنا إلى المسألة من مختلف وجوهها المصلحية - مما ذكرت ومما لم أذكر - يبقى مجال للظن بأن حد السرقة لم يعد ملائمًا للمصلحة ولظروفنا الحالية ؟"" (1) .
ويمكن أن نضيف هنا أن الرحمة تختلف من فهم إلى فهم ، والعلمانيون الذين يرفضون الحد بدعوى الرحمة يقدمون مصلحة الفرد على مصلحة المجتمع ، وينظرون إلى حال شخص ويغفلون عن حال أمة . إن الطبيب قد يلجأ إلى قطع بعض الأعضاء المريضة في الجسم حتى يسلم الجسم كله من المرض ، والقطع فيه قسوة ، ولكنه يُفعل رحمة بالجسم ، والأب يضرب ولده تأديبًا وفي ضربه نوع قسوة، ولكنه يضربه رحمة به لكي يُقوِّم اعوجاجه ، وفي الحياة أمثلة كثيرة لذلك كلها يستفاد منها أن الضرر الأشد والأعم يزال بالضرر الأخف والأخص ، ويُختار دائمًا أهون الشرين ، ومثل ذلك حد السرقة يتضرر الفرد - بما جنت يداه - رحمة بالمجموع .
(1) الريسوني"الاجتهاد والنص الواقع المصلحة"ص 47 - 49 .