الصفحة 42 من 51

وأصحاب الاتجاهات الثلاثة مجمعون على أن العقوبة فيها قسوة وعنف من منظورنا المعاصر ، وأن هذه القسوة وهذا العنف إذا كان ملائمًا لذلك المجتمع البدوي القاسي ، فإنه لا يليق بالمجتمعات المتحضرة اليوم .

يجيب الدكتور الريسوني بقوله:""إن العقوبات المنصوصة في الإسلام تتسم بقوة الزجر، وسهولة التنفيذ ، فهي زاجرة إلى أقصى الحدود للجناة ولغيرهم ، ومن حيث التنفيذ لا تكلف ميزانية ضخمة ولا جهازًا بشريًا واسعًا ولا وقتًا طويلًا كما هو الشأن في عقوبة السجن . فإذا جئنا إلى حد السرقة وهو القطع وجدناه محققًا مقصوده ومصلحته بدرجة عالية ، والحق أن مجرد الإعلان عن إقرار عقوبة القطع يؤدي إلى زجر عدد واسع من السراق … وإراحة المجتمع من سرقاتهم ومحاكمتهم وحراستهم وإطعامهم في سجونهم ، ويتحقق هذا بدرجة أوسع وأبلغ حين يُشرَع فعلًا في تنفيذ العقوبة ولو على أفراد معدودين ، فإقرار عقوبة القطع والشروع في العمل بها [ قد ] يخفض جرائم السرقة إلى العشر أو أقل، وهذا هو عين المصلحة وأقصى درجاتها في موضوعنا الذي هو صيانة الأموال وأصحاب الأموال من العدوان والخوف . بقي أن يقال: إن هذه العقوبة شديدة وفادحة وقد أصبح بالإمكان اليوم الاستعاضة عنها بغيرها . وأقول: إن شدة هذه العقوبة تخف وتهون بعدة أسباب: الأول: هو ما تحققه من المصلحة العامة الواسعة مما سبقت الإشارة إليه . والثاني: هو القلة المتزايدة في حالات القطع بمجرد الأخذ به والمضي في العمل به ، والثالث: هو كثرة الشروط التي يلزم توافرها للحكم بالقطع ، وهي شروط مبسوطة في كتب الفقه لا يتسع المجال لذكرها ، ولكن المهم هو أن تلك الشروط تُضيِّق جد ًا من الحالات التي يُطبَّق فيها القطع ، والسبب الرابع هو قاعدة " ادرؤوا الحدود بالشبهات"" (1) "

(1) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ وَفِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ عَائِشَةَ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَرِوَايَةُ وَكِيعٍ أَصَحُّ وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْكُوفِيُّ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا وَأَقْدَمُ )) . سنن الترمذي - كتاب الحدود عن رسول الله - باب ما جاء في درء الحدود - رقم 1344 . (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهُ مَدْفَعًا ) ). سنن ابن ماجة - كتاب الحدود - باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات - رقم 2535 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت