فهرس الكتاب
ولكي يصل الإنسان إلى مقاصد الخالق عز وجل لا بد أن يفهم خطابه ، ولكي يفهم خطابه لا بد أن يكون ضليعًا في لغة هذا الخطاب ، ومن هنا جاءت الإشارة مرارًا في القرآن الكريم للتأكيد على هذه اللغة والتمنن بها على أهلها ، وحين انطلق الأصوليون من قوانين اللغة ونظامها البياني لم يكن ذلك إلا ترسمًا للهدي القرآني ، وتمثلًا لتوجيهاته ، ولم يكن ذلك بنزعة عنصرية أو شعوبية كما يحلو للبعض أن يقول .
أما في الخطاب العلماني فإن المقاصد هي تلك التي تحقق للإنسان التواءم مع واقعه الذي يعيشه أيًا كان هذا الواقع ، ولعلها تلك التي تستجيب للمعقوليات والضمائر الحديثة ، وتُصالح الإنسان مع المجتمع الذي يعيش فيه أيًا كان هذا المجتمع ، وبذلك يخرج الإنسان من دائرة الغربة إلى فضاء الانسجام، ويتخلى عن استراتيجية الرفض والممنوع ، والحلال والحرام [ ذهنية التحريم ] (1) لينخرط في دوامة الحياة كما هي بدون تشنج أو تردد ، وينفرط نظام خصوصيته ، وقوام شخصيته في عولمتها الصاخبة الجارفة .
ومن هنا فإن الحديث عن مقاصد الله عز وجل في النص أمر بعيد المنال ، وخارج حدود الوسع البشري ، ولذلك يجب التوجه للبحث في النص عن مقاصد القارئ أو المتلقي ، أو بعبارة أخرى عن تبرير لمقاصده . إن القرآن الكريم يقول كل شيءٍ ولا يقول شيئًا بنظر الخطاب العلماني، أي لا يقول شيئًا يحد من إرادة الإنسان، ويقول كل شيءٍ يبرر أهواءه ورغباته وقناعاته . ولكي يُقوّل القرآن ذلك يتم حشد كل الوسائل الممكنة من فلسفات ، ومناهج لسانية ، وبنيوية ، وتفكيكية دون اعتبارٍ لقائل النص أو لغته أو حضارته أو مقاصده .
وفي هذه الحالة لم تعد هناك حاجة للنص أصلًا إلا حين يستدعى ليكون غطاءً للتبرير ، ورداءً للمشروعية ، لقد تحول النص كما أراد الخطاب العلماني فعلًا إلى أيديولوجية تسويغية أو تسويقية وظيفتها تكريس حاكمية الإنسان في هذا الكون .
(1) عنوان كتاب لصادق جلال العظم .