اتضح لنا من خلال متابعة آراء النحاة في الضرورة الشعرية ان اغلب النحاة لم ينكروا على الشعراء خروجهم عن القواعد العامة للغة الادبية الموحدة ولم ينسبوا اليهم عجزا او خطأً بل عده ابن جني من شجاعة الشعراء ان يتخذوا طريقا خاصا بهم في التعبير وان اقتضى ذلك التوسع في اللغة بادخال ما خالف اللغة الادبية الموحدة ولايتناقض ذلك مع اختلافهم في جواز استخدامها بين من اجازها اضطرارا وآخر لم يرَ بأسا في اللجوء اليها في السعة مضافا الى الاضطرار وهذا الاتفاق ان دل فانما يدل على انهم ادركوا بان للشعر لغة خاصة يجوز فيها ما لا يجوز لغيرها بناءً على ما تفرضه الحاجة الفنية التي تتمثل بالموقف الشعري الذي يقتضي احيانا لفظًا يرى الشاعر انه ابلغ في ايصال المعنى او انه اضطر اليه في لحظة انشاده الشعر خاصة اذا علمنا ان اغلب اشعار العرب تقع من دون روية إذ لايتاح للشاعر استحضار معجمه الذهني اللغوي ليختار منه الالفاظ الموافقة للقاعدة النحوية وفي الوقت ذاته تلائم الوزن والقافية التي يقوم عليهما الشعر وهو ما ذهبت اليه الباحثة فهو امر جائز لايؤاخذ عليه الشاعر لانه لم يقصد المخالفة كما انه في الغالب يلجأ الى استخدامات لهجية لاتعد شاذة عن لغة العرب مضافا الى كونها نابعة مما تفرضه ضرورة الانشاد وان النحاة الذين انكروا مخالفته للقواعد انما حصل لانهم لم ينظروا الى الخصائص اللغوية والعروضية للشعر حين فرضوا القواعد التي لم تطرد مع الاستخدام الشعري الذي ينصب اهتمام الشاعر فيه على اداء المعنى المطلوب اكثر من التزامه بقواعد اللغة يتضح ذلك في قول الفرزدق لمن اعترض عليه (علينا ان نقول وعليكم ان تتأولوا) وهو دليل واضح على اهتمامه باداء المعنى قبل اهتمامه بالقالب اللغوي الذي يصب فيه معانيه فليس هناك لفظ او تركيب لايمكن استبداله بلفظ او تركيب آخر يتساوق مع القاعدة النحوية.
وترى الباحثة ان المذهب الاول الذي يمثله الخليل ومن تابعه في اجازة الضرورات في السعة والاضطرار اقرب الى واقع الشعر واكثر فهما لخصوصيته فالطبيعة (( الكمية في اوزان الشعر العربي والتزامن الواجب بينها وبين نظام القافية, ولزوم هذا التزامن في القصيدة كلها ) ) [1] يدفع الشاعر احيانا الى استخدام لفظ او تركيب جملي يرى فيه مخرجا او يجده اكثر اتساقا مع الوزن والقافية التي تقيده احيانا بارتكاب تلك الضرورات والا فان الشاعر القديم مثلا لايمكن ان يكون عاجزا عن الاتيان بلفظ او تركيب صحيح نحويا ومستقيم مع الوزن وهو الذي يتكلم بلغة سليمة ناضجة قياسا بلغة الشعراء المحدثين الذين شابت لغتهم لغات اخر باختلاطهم باقوام اعجمية مثلا فالشاعر الذي منحه الخليل العالم اللغوي الكبير امارة الشعر واعطاه الحق في التصرف به لم يكن غافلا عن امكاناته اللغوية بل كان مطمئنًا الى صحة تصرفه فيها وان تسامح معه في بعض
(1) جملة النسخ في السور القصار (رسالة ماجستير) 196.