الإنشاد من الارتجال أو الصنعة فليس من العدل ان يحرم المحدث مما حظي به القديم وان كانت لاتميل الى ما ذهب اليه ابن جني حين اجاز لهم التوسع فيها واحتج لهم باختلاط اللغة (لغة المحدثين) باللغات الأُخر خلافا للغة المتقدمين التي كانت لغة صافية نقية من الشوائب التي لحقتها في زمن المحدثين فلا يمكن الفرار من الضرورات قال (( إذا جاز عيب أرباب اللغة وفصحاء شعرائنا كان مثل ذلك في أشعار المولّدين أحرى بالجواز ) ) [1] فليس من الصواب ان يسمح للمحدثين بزيادة الضرورات عما هي عليه لكون المتقدمين حين صدرت عنهم فانهم كانوا يتمتعون بلغة ناضجة سليمة لم تختلط بعد بلغة الاعاجم فاذا كنا قد اجزنا لهم بعض الخرق للقواعد ثم تسامحنا مع المحدث والمولد فما ضرورة القواعد ان لم ينضبط القائلون باصولها. ولعل من الشعراء من صدر عن رأي ابن جني فقد ورد عن أبي الطيب المتنبي ان الشاعر قد يخرج عن القاعدة، لا للاضطرار، ولكنْ للاتساع في لغة الشعر، فيحذف ويزيد [2] .
4.ابن فارس (395هـ) تشدد مع الشعراء في امر القواعد وانكر القول بالضرورات في الشعر ورد الخليل الذي جعل من الشعراء امراء الكلام يجوز لهم ما لايجوز لغيرهم وذهب الى انهم ـ خاصة القدماء ـ أصابوا في أكثر شعرهم، وجانبوا الصواب في أقلّه، الا ان النحاة لم يتهموهم باللحن ولم يخطئوهم لانهم احترموا الشعر القديم احتراما ادى بهم الى ان يتأولوا مخالفات الشعراء ليخرجوهم من دائرة اللحن ورفض احتجاجهم بالوزن )) لأنهم غير مكرهين على قول سليم الوزن عليل الصحة )) [3] . واحتج على النحاة بقوله (( ونحن لم نَرَ، ولم نسمع بشاعر اضطره سلطان أو ذو سطوة بسوط أو سيف إلى أن يقول في شعره ما لا يجوز، ومالا تجيزونه أنتم في كلام غيره ) ) [4] وهو بكلامه هذا انما يعد الشعر والنثر فنًا تعبيريًا واحدًا فلا يبدو انه يشعر باختلاف كل منهما عن الآخر لذا يرى ضرورة اخضاعهما للقواعد نفسها ولم يسمح للشاعر بالخروج عنها وترى الباحثة ان القواعد حين توضع في علم من العلوم فانها انما تؤدي وظيفتين في الوقت نفسه الاولى ضبط الاصول التي يسير في هديها المستخدم وثانيا تيسر له امر التطبيق فلا تلزمه بقواعد صارمة دون ان تمنحه منفذا يهرب اليه عند الاضطرار ولكن يبدو ان ابن فارس في منعه وتشدده مع الشعراء قد اعرض عن كل ما جاء به سابقيه واتخذ رأيا نرى انه من المتعذر على الشعراء الالتزام به في جميع الاوقات فليس من قاعدة من القواعد الشرعية والقانونية الا وكان لها استثناء فكيف وقد تعلق الحال بالشعر الذي انبثق اصلا عن ضرورة من ضرورات الحياة التي يتقلب فيها الانسان من حال الى حال مؤثرا في كل ما يحيط به فكرا وعاطفة وتعبيرًا.
الخاتمة
(1) م. ن 1/ 329
(2) الوساطة بين المتنبي وخصومه: ص450.
(3) مجلة معهد المخطوطات العربية، مج 25 ,ج1/ 50.
(4) م. ن51.