ويبعّدون القريب ويُحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة الحق، والحقّ في صورة الباطل )) [1] والضرورة عنده هي (( ما وقع في الشعر مما لايجوز في النثر سواء أكان للشاعر عنه مندوحة ام لا ) ) [2] وهو مذهب الجمهور والرأي الراجح لدى الباحثة لانه بذلك يكون قد ميز بنية الشعر عن النثر بدليل انه يصف ما يجيزه في لغة الشعر قبيحا في لغة النثر كقوله (( إن افضلهم كان زيد. وإن زيدًا ضربت. على قوله: انه زيدًا ضربت. وانه كان افضلهم زيد. وهذا فيه قبح وهو ضعيف وهو في الشعر جائز ) ) [3] .
2.سيبويه [ت: 180 هـ] وافق استاذه الخليل في جواز ما يقع في الشعر دون النثر [4] فلم يشترط في الضرورة ان يكون مما ليس للشاعرعنه مندوحة و يرى أن لكل ضرورة يرتكبها الشاعر تأويلًا يفسرها، وحجة تخرجها، فلم يخطأ الشاعر ولم يتهمه باللحن. قال (( وليس شيء يضطرون إليه إلاّ وهم يحاولون به وجهًا ) ) [5] لكنه وصف بعضها بالقبح واشار الى ان الشعراء يحتملون قبح الكلام حتّى يضعوه في غير موضعه [6] لانه مستقيم ليس فيه نقضٌ وجعل منه قول عمر بن ابي ربيعة:
صَدَدْتِ فَأَطْوَتِ الصُّدودَ وَقَلَّما ... وِصالٌ على طُولِ الصُّدودِ يَدُومُ [7]
الاصل: وقلَّ ما يدومُ وصالٌ.
2.المبرّد [ت: 286 هـ] ميّز بين نوعين من الضرائر اجاز احدهما ووصف الآخر بالقبح ونهى عنه: وهما مما اصطلح عليهما بالضرورات الحسنة والضرورات القبيحة: النوع الاول يرتكبه الشاعر، فيردّ الأشياء إلى أصولها كصرف الممنوع من الصرف لأنَّه إنّما يردّ الأسماء إلى أصولها [8] .اما اذا خرج بها عن الاصل فذلك قبيح يقترب به من اللحن وهو القسم الثاني الذي نهى عنه لأنَّ الضرورة لا تجوّز اللحن [9] .
3.ابن جني [ت: 392هـ] وافق الجمهور في اجازة الضرورة [10] ولم يكتفِ بإجازتها بل ذهب الى ابعد من ذلك فتسامح مع المحدثين في أمر الضرائر فأجاز لهم اللجوء إليها كما جازت للأقدمين حملا للحديث على القديم وردَّ من زعم بان القدامى كانوا يرتجلون الشعر ارتجالًا، فلا يحككون ولا يثقفون، بخلاف المحدثين الذين يمكنهم التخلص من ذلك بالأناة والصنعة التي يتمتعون بهما وذهب إلى ان الشعر القديم ليس مرتجلا دائما بل كان يعرض لهم فيه الصبر واستشهد بزهير بن ابي سلمى الذي عمل سبع قصائد في سبع سنين فكانت تسمى حوليات زهير [11] وترى الباحثة انه لا فرق بين الشاعر القديم والحديث وهو أمر يفرض نفسه في الواقع الأدبي فإذا كانت الظروف التي تمر بالفريقين واحدة ونقصد الحالة الشعرية كما توصف لحظة
(1) منهاج البلغاء 143.
(2) الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر6.
(3) الكتاب2/ 154.
(4) م. ن1/ 8, 1/ 13.
(5) م. ن1/ 13.
(6) م. ن1/ 13.
(7) ديوانه 502.
(8) المقتضب 3/ 353.
(9) م. ن 3/ 354.
(10) الخصائص1/ 326, وينظر: الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر 6.
(11) الخصائص 1/ 326