من ارتكاب المستهجنة. ولم يتفق النحاة على عدد معين للضرورات الشعرية فمنهم من ذهب الى انها عشر وقد ذكرت في بيتين عزيا الى الزمخشري:
ضرورة الشعر عشر عد جملتها ... وصل وقطع وتخفيف وتشديد
مد وقصر واسكان وتحركة ... ومنع صرف وصرف وتعديد [1]
فيما ارتفع بها آخر الى مائة كما نسب لابي سعيد القرشي نظمه ارجوزة سماها (اللسان الشاكر في ضرورة الشاعر) فيما يرى الالوسي [2] ان الصواب عدم تحديد عدد الضرائر وهو الرأي الراجح عندنا لاننا اذا اردنا احصاء الضرائر احصاءً دقيقًا كان لزاما علينا استقراء اللغة استقراءً تاما وهو امر لم يتحقق لعدم ادراك اللغة باكملها قال ابو عمرو بن العلاء (( ما انتهى اليكم مما قالت العرب الا اقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير ) ) [3] ولعل من المناسب هنا ان نشير الى ان البحث في اللهجات العربية ادى الى نتيجة هامة مفادها ان عددا كبيرا من الظواهر اللغوية التي تبدو في ظاهرها مخالفة للقاعدة انما كانت موجودة في اللسان العربي قبل وضع القواعد لان تقعيد العلوم ومنه النحو لم يقم على سماع كامل للغة وانما كان عبارة عن استقراء ناقص اثمر نتائج لاتعد نهائية يمكن الجزم بها لكنهم وضعوا قواعدهم مستندين الى تلك النتائج مضافا الى انهم حكموا المنطق في اللغة وهو امر يخالف طبيعتها لهذا فقد جاءت قواعد العربية منقوصة لم تراعِ طبيعة اللغة فابعدت الكثير من ظواهر العربية من مفاصل التقعيد النحوي ومن ثم فقد لجأ النحاة الى تخطئة من خالف قواعدهم ومنها مثلا نسبة الكثير من الاستخدامات اللهجية الى اللحن او الضرورة وعليه يبدو ان عدد الضرائر لايمكن ان يصل الى درجة قطعية يمكن الاطمئنان اليها.
الفصل الثاني: موقف النحاة من الضرورات الشعرية
1.الخليلٍٍِ بن احمد الفراهيدي [ت 170] العالم اللغوي الكبير الذي يمكن ان يعد من اكثر النحاة فهما لخصوصية الشعر بما امتلكه من المام بالنظام اللغوي العام يصحبه حس موسيقي فذ تجلى في وصفه لاوزان الشعر وقوافيه وما يعرض له من زحافات وعلل وتطبيقه لكل ذلك تطبيقا مباشرا موظفا ما امتلكه من امكانات لغوية وعروضية نراه يدفع عن الشعراء تهمة الخطأ والتجاوز على قواعد اللغة حين منحهم امارة الشعر التي تتيح لهم التصرف في النظم تصرفا حرم منه الناثر فهم عنده (( أمراء الكلام يصرفونه أنى شاؤوا، ويجوز لهم مالا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ... ومد المقصور وقصر المددود، والجمع بين لغاته، والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن وصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقرّبون البعيد
(1) الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر 25.
(2) ينظرم. ن 25.
(3) نزهة الالباء 33.