الصفحة 3 من 13

اليه ولعل من اهم الدراسات التي قامت حول قضايا المبنى في الشعر العربي هي الدراسات التي نشأت حول لغة الشعر فتحدثت عن ضرورة الالتزام بالقواعد اللغوية التي تحكم النص الادبي باعتبارها الوسيلة الاولى في التعبيرعما يريد الشاعر ايصاله الى المتلقي في ابيات تتظافر فيها قوة الالفاظ مع عمق المشاعر ولعل ما اثار تلك الدراسات هو ما حفلت به دواوين الشعراء من شواهد شعرية توحي بان الشاعر احيانا قد ينسى او يتناسى القواعد التي اعتاد النظم في هديها لضرورة دفعته في لحظة انشاده الشعر الى تعبير يخالف القياس المطرد في القواعد ولم يجوز بعض النحاة هذا الخروج و تسامح آخرون بل وتوسعوا فيه فاجازوا للشاعر ابتداع ما يراه مناسبا مستندين الى الرأي الذي يذهب الى ان الشعر موضع يجوز فيه ما لايجوز في غيره والذي كان فيما بعد من اهم العوامل المؤثرة في ظهور مصطلح الضرورة الشعرية وهو من المصطلحات المهمة التي دخلت ميدان الدرس النحوي وان اختلفت آراء العلماء في تعريفه كما اختلفت مواقفهم منه فذهب سيبويه في باب ما يحتمل الشعر الى (( انه يجوز في الشعر ما لايجوز في الكلام ... ) ) [1] كما نص الجمهور على ان (( الضرورة ما وقع في الشعر مما لايقع في النثر, سواء كان للشاعر عنه مندوحة [2] ام لا ) ) [3] ووفقا لهذا فان الخروج عن القاعدة النحوية يعد اختيارا من الشاعر وليس هناك ما اضطره اليه بدليل ان اللفظ الذي يرد ويعد من الضرورات يمكن ابداله بلفظ آخر يخرجه منها كقول الشاعر:

كم بجودٍ مقرفٍ نال العلا ... وكريمٍ بخله قد وضعه [4]

في رواية من خفض (مقرف) حيث فصل بين (كم) وما اضيفت اليه بالجار والمجرور وذلك لايجوز الا في الشعر ولم يضطر الشاعر الى ذلك إذ بامكانه ازاله الفصل بينهما برفع (مقرف) او نصبه [5] وقول الآخر:

فلا مزنةٌ ودقت ودقها ... ولا ارضَ ابقلَ إبقالها [6]

إذ حذف التاء من ابقلت فيما يمكنه اثباتها ونقل حركة الهمزة فيقول: إبقلت ابقالها. وهم بذلك انما يصدرون عن طبيعة الشعر الذي يتميز عن لغة النثر بناءً على اختلاف ظروف القول في كل منهما فالشاعر عادة ما ينظم شعره تحت سطوة حالة شعورية خاصة كالفرح او الحزن او الغضب والحمية اللذان يصاحبان المعارك عادة إذ يتخذون من الشعر سلاحا من الاسلحة لرفع الروح المعنوية للمقاتلين او ان للرد على من اراد الانتقاص من قبيلته ففي هذا الجو المشحون بالعواطف المتأججة لعل من الطبيعي جدا ان يصدر احيانا شعر عميق في معانيه وان خرج عن اقيسة اللغة لان الشاعر انما كان منشغلا باداء المعنى الذي يريد بالفاظ تصدر بعفوية قد تخرجها عن اقيسة

(1) كتاب سيبويه تصنيف منهجي وتحقيق علمي1/ 37.

(2) المندوحة: السعة, انظر اللسان (ندح) , سيبويه و الضرورة الشعرية31.

(3) الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر6.

(4) البيت لأنس بن زنيم ينظر: الكتاب 2/ 162، شرح ابيات سيبويه231, المقتضب3/ 61,شرح المفصل4/ 132.

(5) ينظر ضرائر الشعر 13.

(6) ينظرالبيت في: الكتاب1/ 240، الخصائص 2/ 411، المغني 860، 879، أوضح المسالك 2/ 108، المقاصد النحوية 2/ 464، التصريح 1/ 278، الخزانة 1/ 45، 49،50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت