ادعاء ممن اجاز للشعراء الخروج عن القاعدة وهذا يعني انهما يتساويان في النظم؟ فيعني ذلك ان يخضع كلاهما لقواعد عامة ام لا؟
المستخلص من كلام النحاة في تعريف مصطلح الضرورة كما يتضح في الرأي الاول وحتى الثاني ان هناك ما يشبه الاتفاق على ان لغة الشعر تختلف عن لغة النثر فالفريق الاول اجاز للشاعر ارتكاب الضرورات في السعة وغيرها وهو الرأي الراجح لدى الباحثة فيما وافق الفريق الثاني على شرط عدم السعة وكلاهما يؤكد جواز الخروج عن القاعدة في الشعر بما لا يجوز في النثر [1] والحق اننا لو نظرنا الى كل منهما لوجدنا انهما يختلفان في الشكل والمضمون ففي الشكل يتحكم بالشعر قانون الايقاع بما فيه من وزن وقافية اذ يجري (( البناء الصوتي الموروث ـ للشعر العربي ـ على اتحاد الوزن والقافية وفق سُنةٍ مطردة من الصوامت والمصوتات. نعني السكنات والحركات المتوالية في انساق منغمة تقرُّ بالقافية في نهاية كل بيت ) ) [2] اما المضمون فلا يقل اهتمام الشاعر به عن اهتمامه بالوزن والقافية فكثيرا ما يلجأ الشاعر الى استخدام لفظ ما يرى انه ابلغ في ايصال المعنى وان كان مخالفا للقواعد لانه انما يحاول التعبيرعما يجول في خاطره فيصب معانيه في قوالب يحرص على ان تتناسب اوزانها وقوافيها وان اضطره ذلك الى مخالفة الاقيسة لذا يغلب على الشعر (( الترخص في القرائن حين يكون المعنى هو الذي يقتضي القرينة وليست القرينة هي التي تقتضي المعنى, أي ان القرينة التي يمكن الترخص فيها من قبل صاحب السليقة من الشعراء انما هي القرينة الفائضة بعد ان يستوفى المعنى بواسطة قرائن اخرى غيرها ) )وهذا يعني ان الضرورات انما هي خرق للقواعد اذا ما قيس الشعر بالنثر فحسب فنحن اذا سلمنا بالرأي الذي يقول باختلاف لغة الشعر عن لغة النثر وهو رأينا الذي نعول عليه فلايعد الشاعر خارجا عن اصول العربية [3] الذي يتبناه اصحاب الرأي الثاني ممن يسمحون للشاعر بالمخالفة عند الاضطرار فقط مستندين الى المعنى اللغوي دون مراعاة الواقع الذي يصدر عنه الشاعر في شعره.
وقد درس الدكتور عبد الوهاب العدواني الضرورة الشعرية من حيث علاقتها بالضرورة الشرعية وذكر ان الاخيرة تمثل اول ضوء يلقيه على معناها اللغوي والتطبيقي في الدرس اللغوي والنحوي واشار الى دقة معناها في القرآن الكريم, وان الفقهاء قد استخلصوه من قوله تعالى {فمن اضطر غير باغ ولاعاد فلا اثم عليه} البقرة/173 وقد استعمل بعض النقاد القدامى مصطلح (الرخصة) في موضع الضرورة, منهم الاصمعي؛ إذ قال (( الزحاف في الشعر كالرخصة في الدين لايقدم عليها الا الفقيه؛ لان الرخصة انما تكون للضرورة واذا سوغت فلا يستكثر منها ) ) [4] وقد
(1) الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر 6.
(2) شوقي ضيف ,, نواقص الايقاع في الشعر الحر,, مجلة مجمع اللغة العربية, مج24,ص4,القاهرة1969.
وينظر: الضرورة الشعرية دراسة لغوية نقدية 35.
(3) الاصول80.
(4) العيون الغامزة الى خبايا الرامزة, 86 نقلا عن الضرورة الشعرية دراسة لغوية نقدية: ينظر 32.