الصفحة 6 من 13

فسر العدواني هذا الاستعمال بوجود شبه تقارب بين الضرورتين الشرعية والشعرية فالمصطلح النحوي عند اغلب النحاة لايبتعد كثيرا عن معناها اللغوي وهو الحاجة [1] وكذلك هي عند بعض الفقهاء الذين وضعوا قواعد فقهية على اساس حاجة الفرد وطبيعة ما يحيط به مثل قاعدة (( الضرورات تبيح المحظورات ) (( ان الضرورة تقدر بقدرها ) ) [2] غير ان مفهوم الحاجة او الضرورة وما يتبعه من قضايا وضعت تاسيسا على ذلك يختلف عند الفقهاء عنه عند النحويين وعنه عند الشعراء لذا اختلفت الضرورة الشرعية عن الضرورة الشعرية في المفهوم الدقيق في مجال التطبيق ومصداق الحاجة (( لان علاقة الشاعر باللغة مختلفة عن علاقة الفرد بالشريعة وفحوى هذا الاختلاف كون العلاقة الشرعية فريضة لزومية, وكون العلاقة اللغوية احتراما ادبيا محضا, لايحول دون انتقال الشاعر من الالتزام بمعيارية القياس اللغوي الى التزام شعري لاسباب فنية طارئة ) ) [3] . غير انهم في الوقت ذاته تسامحوا مع الشعراء في بعض الضرورات التي ربما وجد لاغلبها اصل عند العرب قبل استقرار الدرس النحوي قال سيبويه (( وليس شيءٌ يضطرون إليه إلاّ وهم يحاولون به وجهًا ) ) [4] وان من يذهب الى بعض الضرورات التي لها وجه في العربية انما يصفها لجهله بما علم به غيره [5] كما امتاز العربي بخصيصة عن غيره هي قبول اللفظ يسمع منه قد لايسمع من غيره اذا ثبتت فصاحته, وقد علل ابن جني ذلك بانه ربما اخذه من لغة قديمة لم تسمع من غيره [6] او انه ارتجله بسبب قوة فصاحته التي سمحت له بالتصرف في فن القول. وترى الباحثة ان في اشارة ابن جني الى جواز كونها لغة قديمة دليل على اثر اللهجات في الدرس النحوي وعلاقتها بالضرورة الشعرية اذ تبين لنا من خلال اطلاعنا على اللهجات العربية [7] ان الاساس في اغلب الضرورات الشعرية التي اثبتها النحاة هي استعملات لهجية, ولاعلاقة لها بالضرائر لانها تمثل سمة من سمات لهجات القبائل قبل ان تتوحد لغة العرب في لغة ادبية واحدة, اما مفهوم الضرورة فهو خاص باللغويين والنحاة وليس الناطقين بها او غيرهم ممن تعارف عليها بحكم الجوار اوالاطلاع على خصائص القبائل اللهجية, ومن ثم ابرزها تحليل الواقع اللغوي عند النحاة بعد وضع قواعد اللغة الادبية الموحدة التي وضعت اصولها بعد عصر التدوين , فعزوا خروج الشعراء عنها الى ضرورة الشعر, وليس من الصواب ما ذهب اليه الالوسي حينما قال (( اعلم ان بعض الضرائر ربما استعملها بعض العرب في الكلام ومع ذلك لايخرجها عن الضرورة عند الجمهور ) ) [8] فما وجد له اصل عند العرب كيف يعد مما اضطر الشاعر اليه اذ لو صادف ان انشد ذلك الشعر على اصحاب تلك اللغة التي اخذ عنها فهل ينكرونها مثلا الا اذا اراد بذلك ان الشعر يلقى على اشخاص لاعلم لهم بلغات العرب ولايعرفون غير اللغة

(1) ينظر: الضرورة الشعرية دراسة لغوية نقدية 32, واللسان مادة ضرر 4/ 483.

(2) الضرورة الشعرية دراسة لغوية نقدية 33.

(3) م. ن33.

(4) الكتاب 1/ 13

(5) ينظر. شرح الفية ابن معطي م. ن: 194 - 195.

(6) الخصائص 2/ 25.

(7) اللهجات العربية في التراث 22.

(8) الضرائر وما يسوغ للشاعر دون الناثر 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت