المبحث الأول:
نبذة عن المذهب الحنفي
كل مذهب من المذاهب مر بمراحل، مرحلة النشوء، ومرحلة التطور، ومرحلة الاستقرار، والمذهب الحنفي كغيره من المذاهب، فقد مرت عليه جميع هذه الأطوار، فقد نشأ، ثم تطور، ثم مرت عليه قرون الاستقرار، وفي هذا المبحث ذكر لهذه المراحل بشيء من الاقتضاب.
المطلب الأول: نشأة المذهب الحنفي:
نشأ المذهب الحنفي في الكوفة، فقد كانت الكوفة مركزا علميًا ضخمًا، ومحط رحال عديد من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وقد أخذ العلم عن عبدالله بن مسعود التابعي علقمة بن قيس، وأخذ عنه إبراهيم النخعي، وأخذ عن إبراهيم النخعي حمادُ بن سليمان، وأخذ العلم عن حماد الإمام أبو حنيفة فقد لازمه ثماني عشرة سنة حتى توفاه الله، ثم جلس للفتيا والتدريس مكان شيخه [1] ، فأبو حنيفة وارث لعلم الصحابي عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
كان أبو حنيفة معلمًا بارعًا فقد اتخذ طريقة التشاور، والتحاور، والنقاش في حلقة العلم حتى أنه قد يعلو الصوت أحيانا في المسجد إلا أن أبا حنيفة يرى أن هذه هي الطريقة المثلى لتثبيت العلم في قلوب طلابه [2] ، ويجعل للطالب الثقة في طرح رأيه، وذكر ما عنده من استدلال، أو استدراك على الرأي المطروح، وعند الاختلاف يذكر كل طالب دليله حتى يستقر رأيهم على قول واحد فيثبتها من يكتب المسائل، ثم يعرضها عليه، وكان ينهى عن كتابة المسائل قبل تمحيصها بالمناقشة، وكان يردد على طلابه:"إذا صح الحديث فهو مذهبي" [3] ، و"لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا مالم يعلم من أين قلنا" [4] .
وقد بيّن الإمام أبو حنيفة منهجه في الفقه والاستنباط حيث قال:"إني آخذ بكتاب الله إن وجدته، فما لم أجده آخذت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات عن الثقات، فإذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت بقول أصحابه"
(1) انظر: مناقب أبي حنيفة، للمكي ص 52،64، تاريخ الفقه، للأشقرص 86
(2) انظر: مناقب أبي حنيفة وصاحبيه، للذهبي ص 35
(3) حاشية ابن عابدين 1/ 67
(4) رسم المفتي، لابن عابدين ص 27