فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 88

وإذا كان الفقهاء قد أقرّوا بأهلية المرأة أهلية كاملة في الولاية الذاتية والمتعدية على الأموال، والولاية المتعدية على الغير كالحضانة والوصاية، إلا أن بعضهم قد تحفظ على أهليتها لممارسة العمل السياسي، وكأنهم يرونها ناقصة الأهلية في هذا المجال. وقد استند هؤلاء إلى حديث رسول الله: (يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار) ، فقلن: وبمَ يا رسولَ الله؟ قال:"تكثرن اللعن وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُبّ الرجل الحازم من إحداكن"، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصلّ ولم تصم؟ قلن بلى، قال: فذلك من نقصان دينها) ( [2] ) .

وأكثر أهل العلم والخبرة يرون أن نقص المرأة هو نقص عرضي طارئ، وليس نقصا فطريا لازما، ولا يتعارض ذلك مع وجود نساء وهبهّن الله قدرات عالية قد تفوق قدرات الرجال ( [3] ) .

الوعي السياسي والتنظيم الاجتماعي

وإذا كانت المرأة تتمتع في الرؤية الإسلامية بالأهلية السياسية في مستوياتها المختلفة، فإن هذا يقتضيها أن تكون في ثقافتها واهتمامها بالشؤون العامة على المستوى الذي تحسن فيه أداء تلك الشؤون ومتابعتها وتعرف ما فيها من خطأ وصواب. كما أن الحركة السياسية لا تنفصل عن الحركة الاجتماعية، وقد يعدّ فهم هذه الأخيرة أهم مداخل فهم العمل السياسي للمرأة في المجتمع الإسلامي ( [4] ) .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .. } ( [5] ) .

لقد أثبت الله - في هذه الآية - للمؤمنات الولاية المطلقة مع المؤمنين، فيدخل فيها ولاية الأخوة والمودة والتعاون المالي والاجتماعي، وولاية النصرة الحربية والسياسية.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وظيفة الداعية من ذكر أو أنثى في السابق واللاحق وفي كل حين ..

· ... في الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة كانت المرأة مع الرجل ..

· ... في بيعة العقبة الأولى والثانية شاركت المرأة .. قال تعالى: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم} ( [6] ) .

وإذا كانت البيعة الأولى، بيعة على الإيمان بالله وأن لا يشركن به شيئا ولا يزنين ولا يأتين ببهتان .. فقد كانت بيعة العقبة الثانية بيعة سياسية واضحة: أن يأمرن بالمعروف، وينهين عن المنكر، وأن يحمين الدعوة كما يحمين أبناءهن وديارهن، وأن لا ينازعن الأمر أهله، وعليهن الطاعة في المنشط والمكره بالمعروف. تلقى رسول الله هذه البيعة من الرجال والنساء على السواء وهاجر بعدها إلى المدينة.

والبيعة من أبرز جوانب العمل السياسي الذي تمارسه الأمة، فهي التي تضفي الشرعية على نظام الحكم، بل وتسبق في الخبرة الإسلامية في عهد رسول الله إنشاء الدولة. فهي أساس المجتمع السياسي وأداة إعلانه والتزامه بالمنهج والشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت