فهرس الكتاب
وبعد الهجرة .. ومع استكمال الوسائل التي تقوم عليها أركان الدولة، كانت المرأة تهتم بشؤون المسلمين .. وتناقش رسول الله .. ويشاورها في الأمور الخاصة والعامة ..
حاربن مع المحاربين في الغزوات .. وشاركن في صياغة الحرب والسلم. واستطعن في هذه الفترة الخاصة من حياة الأمة المسلمة أن يربين الجيل الثاني العظيم من أبناء المسلمين من أمثال ابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وابن عباس والحسن والحسين جيل العمالقة علما وفهما وجهادا وثباتا.
عندما انسحب خالد بن الوليد بجيشه من غزوة مؤته لعدم تكافؤ الجيشين .. فرح المسلمون بهذا الانسحاب وعدّه رسوله الله صلى الله عليه وسلم نصرا .. ولكنه هزيمة في نظر المسلمات العظيمات فخرج أبناؤهن الذين تربوا تربية حرة على يد حرائر إلى ظاهر المدينة يهتفون في وجه خالد ويقولون: الفرّار .. الفرّار ..
وهذه الخنساء التي لبثت دهرا تبكي أخاها صخرا .. حمدت الله عندما علمت أن أولادها الأربعة استشهدوا في سبيل الله ولم تزد أن قالت: الحمد لله الذي شرفني بمقتلهم .. وتلك المرأة التي أقبلت متلهفة تسأل الجيش فقالوا لها قتل زوجك قالت ليس عن هذا أسأل .. قالوا قتل أبناؤك .. قالت ليس عن هذا أسأل .. قالوا: النبي بخير فحمدت الله وقالت: كل مصيبة بعد رسول الله جلل.
هذه حفصة أم المؤمنين يدخل عليها أخوها عبد الله بن عمر فتقول له: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: ما كان ليفعل. قالت: إنه فاعل وحلفت أن أكلمه في ذلك ( [7] ) . إنها مشغولة بأمور الأمة .. تخاف الفتنة وترجو الخليفة أن يستخلف.
أما أسماء بنت أبى بكر فقد سألها الحجاج: كيف رأيتني صنعت بعدو الله (يقصد أبنها عبد الله بن الزبير) ؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليك آخرتك .. أما إن رسول الله حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير (المهلك) فلا أخالك إلا إياه ( [8] ) . لم تتهيب أسماء حاكما طاغيا من أن تعلن كلمة الحق أمامه.
أم الدرداء رضي الله عنها تقول للخليفة عبد الملك بن مروان: سمعتك الليلة لعنت خادمك حين دعوته فقالت: يقول رسول الله: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) ( [9] ) .
قمة عظمى صعدت لها المرأة المسلمة .. ولم يكن ذلك تصادفا أو فلتة عابرة .. بل من منطلق واضح: مساواة الرجل بالمرأة بالإنسانية والإسلام والتكاليف والأداء ..
وللرجال عليهن درجة
قال تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة} ( [10] ) .
وهذه قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرا واحدا عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: {وللرجال عليهن درجة} .
وهذه الدرجة فسرها قول الله تعالى: {الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} ( [11] ) ، وقد أحال في معرفة مالهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهم ومعاملاتهم في أهليهن. وما يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه