فهرس الكتاب
الجملة تعطي الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشؤون والأحوال، فإذا همّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: (إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لهذه الآية) .
وليس المراد بالمثل المثل لأعيان الأشياء وإنما أراد أن الحقوق بينهما متبادلة وأنهما أكفاء، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل ( [12] ) .
أما قوله تعالى: وللرجال عليهن درجة فهي درجة الرياسة.
فالحياة الزوجية حياة اجتماعية ولابد لكل اجتماع من رئيس لأن المجتمعين لابد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يُرجع إلى رأيه في الخلاف، لئلا يعمل كل منهم ضد الآخر فتنفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان هو المطالب شرعا بحماية المرأة والنفقة عليها وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف ( [13] ) .
رئاسة مودة ورحمة
ورئاسة الرجل للمرأة هي رئاسة حب ومودة وتفاهم. قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} ( [14] ) .
وقدوة الرجال في ذلك نبيهم صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
(خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) ( [15] ) . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (كنا معشر قريش نغلب النساء. فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار، فضجت علي امرأتي فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، قالت:(ولِمَ تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل .. ) ( [16] ) .
المرأة والشورى
ورئاسة الرجل لزوجه تقوم على الشورى لا الاستبداد.
قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ( [17] ) .
وقال تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} ( [18] ) .
وإذا كانت الشورى أساس الحكم .. فهي أيضا سلوك سياسي واجتماعي ينظم الدولة ورئيسها، وينظم الحياة الاجتماعية والأسرة في كل شؤونها.
كانت المرأة المسلمة يستشيرها النبي صلى الله عليه وسلم .. وتشير عليه، فعندما حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم تنفيذ المسلمين أمره بالحلق أو التقصير في أعقاب صلح الحديبية دخل على زوجه أم سلمة يستشيرها فأشارت عليه أن يخرج إليهم فيحلق وينحر فإذا رأوه فعل .. فعلوا مثله وهكذا كان .. ( [19] ) .
ويوم رأي الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تغالي الناس في مهور النساء، نهاهم أن يزيدوا فيها على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة في المسجد فقالت: أما سمعت قوله تعالى: وآتيتم إحداهن قنطارا فلا