فهرس الكتاب
وتواجه خديجة العظيمة الموقف الكبير بمفردها، فلا تجزع ولا ترتبك ولا تتردد .. بل وتخاطب الزوج الخائف وتقول:
كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. آبشر يا ابن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة.
ولا تكتفي بذلك التطمين الأوليّ لتثبيت القلب الخائف .. فتأخذ بيده إلى ابن عمها ورقة بن نوفل .. وكان شيخا كبيرا تنصر في الجاهلية .. فتقول له:
يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة:
يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة:
هذا هو الناموس الأكبر نزّله الله على موسى، ليتني فيها جَذَعَا أنصرك حين يخرجك قومك، ولئن أدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا ( [29] ) .
هل هناك شجاعة أعظم، أو حكمة أبلغ، أو موقف أكرم من فعل خديجة هذا وموقفها .. ؟
ألا تستحق أن تكون مثلهن الأعلى .. ؟
بل رغبت بالفراش عنك
نقضت قريش عهد الحديبية، وشعرت بخطورة الموقف .. فلم يعد لها قبل بمحمد وجنوده .. فقررت أن تبعث زعيمها أبا سفيان يفاوض عنها .. يعتذر عن الغدر ويطمع بأن يجدد محمد الهدنة .. وتهيب أبو سفيان لقاء محمد .. فرأى وهو السياسي المحنك أن يتوسل بابنته أم المؤمنين أم حبيبة إلى لقاء القائد المظفر محمد صلى الله عليه وسلم.
(وفوجئت به أم المؤمنين يدخل بيتها، ولم تكن قد رأته منذ هاجرت إلى الحبشة، فوقفت تجاهه بادية الحيرة، لا تدري ماذا تفعل أو ماذا تقول .. وعندما أراد الجلوس .. اختطفت الفراش .. ويسألها أبوها: أطويته يا بنية رغبة بي عن الفراش، أم رغبة بالفراش عني؟ وجاء الجواب:(هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه) !
هكذا تغيرت الموازين .. وانتهى عصر التفاخر بالآباء .. وانزاحت قيم الجاهلية .. ليرتفع مكانها لواء الدين الخالد .. وميزان الإيمان بالله وبرسول الله.
بنت بائعة اللبن
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتفقد أحوال الرعية ذات ليلة، فسمع امرأة تقول لابنة لها: قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء، فأجابت الفتاة:
· ... يا أمتاه، أو ما علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين .. قالت المرأة:
· ... وما كان عزمته يا بنية؟ قالت:
· ... أنه أمر مناديه فنادى: لا يشاب اللبن بالماء، فردت المرأة قائلة:
· ... قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنك بموضع لا يراك عمر، ولا منادي عمر! فردت الفتاة: