فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 88

أبعد أخي تلذ الغمض عيني ... فكيف ينام مقروح الجفون

سأبكي ما حييت على شقيق ... أعز علي من عيني اليمين

فلو أني لحقت به قتيلا ... لهان عليّ إذ هو غير هون

وإنّا معشر من مات منّا ... فليس يموت موت المستكين

ثم هجمت على عساكر الروم كأنها النار المحرقة فزعزعت كتائبهم وحطمت مواكبهم ثم غابت في وسطهم فما هي إلا جولة الجائل حتى خرجت وسنانها ملطخ بالدماء من الروم، فقلق عليها المسلمون وهم لا يعرفون من هذا الفارس فقال رافع بن عميرة: ليس هذا الفارس إلا خالد بن الوليد. ثم أشرف عليهم خالد، فقال رافع: من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته؟ فقال خالد: والله إنني أشد إنكارا منكم له، ولقد أعجبني ما ظهر منه ومن شمائله، ثم حمل المسلمون على الروم، فكانت أشد منهم حملا وضربا وكانت كأنها الصاعقة على القوم وهي ملثمة لا يعرفها أحد، فلما رأى خالد ذلك، أقسم عليها خالد وقال: عزمت عليك أيها الفارس أن تكشف اللثام عن وجهك حتى نعرفك، فلم يرد الفارس جوابا حتى أقسم خالد مرارا فقالت: أنا خولة بنت الأزور وقد علمت أن ضرارا أخي أسير. فركبت وفعلت حتى أخلص أخي، فقال خالد: نحمل بأجمعنا ونرجو من الله أن نخلص أخاك فنفكه.

قال عامر بن الطفيل: كنت عن يمين خالد حين حملوا وحملت خولة أمامه وحمل المسلمون وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور وقالوا: إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم من طاقة، وقد خلص المسلمون ضرارا أخاها من الأسر.

خولة بنت الأزور .. هي مجرد نموذج لمواقف المرأة المسلمة المجاهدة.

خديجة الكبرى مثلهن الأعلى

كان محمد صلى الله عليه وسلم، بعيدا عن ترهات قومه، حبب إليه الخلاء، فكان يأخذ السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور يتحنث ويتعبد ويتفكر في ملكوت السموات والأرض، وفيما وراءها من قدرة مبدعة.

وكانت خديجة تؤمن له الهدوء الشامل، والاستقرار الكامل، تأخذ له الطعام إلى الغار إذا أبطأ عنها .. وتكلؤه بحبها إذا حضر إليها، كانت مقتنعة بعمله .. مدركة بفطرتها السليمة أن لزوجها شأنا عظيما ..

وعلى رأس الأربعين عاما، جاء الحق محمدا وهو في غار حراء، جاءه الملك فقال:

اقرأ، فقلت:

ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فضمني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال:

اقرأ، فقلت:

ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال:

{اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم} .

فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة، فقال:

زملوني زملوني، لقد خشيت على نفسي يا خديجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت