فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 373

ولست أحب أن أستكثر من نقل أخبار هؤلاء المغنيات، فهي مبثوثة في هذه المظان التي ذكرتها وفي غيرها، وإنما أردت من حديثي عن بعضهن أن أبيّن المكانة التي ظفرن بها في هذا المجتمع، فقد كلف بهن الخلفاء، والزهاد الفقهاء، ورغب في سماعهن أبناء الأسرة الهاشمية دون أن ينكر عليهم المجتمع هذه العلاقة التي استمدت منها هؤلاء المغنيات شرعية المهنة التي يؤدينها، وهيأ لهن ذلك فرض أصواتهن عبر أثير المجتمع الأموي. وقد استمّر المغنون والمغنيات"يضربون في الصباح والمساء على أوتارهم، وهذا الشباب المتعطل من حولهم فتياتٍ وفتيانًا يجتمع بهم ويستمع إليهم" [1] ونتج عن هذه الأجواء المسحورة نوع من الحرية في حياة الإنسان العربي، يستوي في هذه التجربة الرجل والمرأة معًا.

وسجّل للمرأة في العصر الأموي صفحات دالة على النشاط الاجتماعي. ولاسيما نساء الطبقة الراقية بما توافر لهن من أسباب الترف والإحساس العارم بالكمال والمتعة، فبحثن عن أسباب أكثر إثارة للحرية الاجتماعية، فبعثن إلى الشعراء يذكرنهم بأنفسهن، وتنافسن في إظهار نعيمهن الاجتماعي وتحررهن بين أيدي الشعراء أو في مواسم الحج.

فكان هذا التحرر من مظاهر الحضارة الاجتماعية التي وصل إليها المجتمع والمرأة بشكل خاص، لأنها لم تكن تتمتع بهذا سابقًا، فأقبلت المرأة تعب من هذه الحضارة ولكن دون الإفلات التام من قبضة القيم والعادات التي نشأت عليها.

ولست أعلم لما أنا مضطرة لهذا التسويغ الأخلاقي للمرأة، ككل الباحثين الذي تناولوا قضايا التحرر الاجتماعي والتطور في العصر الأموي، إذ كانوا يشفعون كلامهم بمثل هذه العبارات (لم ينحل المجتمع، لم تتخل المرأة، لم يكن المجتمع ماجنًا، جلسات بريئة إلى آخر هذه العبارات) .

(1) اتجاهات الشعر في العصر الأموي: 351.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت