فهرس الكتاب
وكثر في شعر عمر تصوير النساء وهن مقبلات عليه، وهو بذلك يشوش صورة المرأة في البيئة الحجازية، التي كانت في حقيقة أمرها وحياتها، مراقبة مراقبة شديدة ولاسيما من الأسرة، وبدت مرات كثيرة، لاتستطيع الحركة إلا ضمن الأسرة، أو مع مجموعة بديلة للأسرة تحل محلها في الرقابة كما بينت سابقًا.
لكن نساء الحجاز في شعر عمر يحتلن على الرقابة ويتساعدن وينجحن في تحقيق بعض اللقاءات الخارجية في متنزهات ورياض الحجاز:
إذْ تمشَّيْنَ بجوِّ مُوْنقٍ ... نيرِّ النبتِ تَغَشَّاه الزَّهَرْ
بدماثٍ سهلةٍ زيَّنَها ... يومُ غيمٍ لم يخالطْهُ قَتَرْ
فعرفَنَ الشوقَ في مقلتِها ... وحُبابُ الشوقِ يُبديهِ النّظرْ
قُلْنَ يسترضينها مُنْيَتُنا ... لو أتانا اليومَ في سرٍّ عُمَرْ
بينما يذكُّرْنَني أَبصرْنَني ... دونَ قِيْدِ المِيلِ يَعدو بيْ الأَغَرّ [1]
ويقول في أخرى تحتال للظفر برؤيته من غير أن يشعر بها حتى لايصرمها:
ثمَّ قالت للتي معها ... لا تُديمي نحوَهُ النّظرا
خالسيهِ أُختُ في خَفَرٍ ... فوعيتُ القولَ إذا وقرا [2]
وبدت النساء في شعره خائفات مذعورات على قلوبهن ومشاعرهن لأنه كثير التقلب والملل لا يكاد يحب واحدة حتى ينظر إلى أخرى، وتستجيب الأخرى بسرعة، فعبّر عما تحس به هؤلاء النسوة من جزع خشية فراقه لهن، وكلهن يعرفن علّته:
تقولُ إذْ أَيقنَتْ أنّي مفارقُها ... يا ليتني متُّ قبلَ اليومِ ياعمرُ [3]
وهو لاينسى هذه التي رجته أن يؤجل رحيله:
أَنْ أَرجِ رحلتَكَ الغداةَ إلى غدٍ ... وثَواءُ يومٍ إنْ ثويتَ يسير [4]
وتلك التي لاحظت ازوراره عنها:
ثم قالتْ عند العتابِ رأينا ... فيكَ عنّا تَجَلّدًا وازورارا [5]
والانطباع العام عن النساء في شعر عمر أنهن مغرقات في الحب والخيال، عتابهن كثير ورضاهن عزيز حينًا وأحيانًا يسير:
(1) ديوان عمر: 150.
(2) المصدر السابق: 162.
(3) المصدر السابق: 123.
(4) المصدر السابق: 130.
(5) المصدر السابق: 139.