فهرس الكتاب
نكونُ بعيري ذي غنىً فيضيعُنا ... فلا هو يَرعانا ولا نحنُ نُطْلَب
يُطرِّدُنا الرعيانُ من كلِّ تَلعَةٍ ... ويمنعُ منا أن نُرى فيهِ نَشرب
وَدِدْتُ وبيتِ اللهِ أَنّك بَكرةٌ ... هجانُ وأنى مُصْعَبٌ ثم نَهربُ [1]
وفي شعر قيس المجنون، تطالعنا الأمنية ذاتها تقريبًا، وقد تلاحقت في سلسلة من الصور الكثيفة المتتابعة المعبرة عن شيء واحد هو حدة الرقابة الاجتماعية، وشدة التضييق على المشاعر والأحاسيس، لأن قضية المرأة مرتبطة كما أشرنا بأعراف وأنماط سلوكية شديدة الأسر، والكاشفة عن رغبة عميقة واحدة هي البعد برفقة حبيبته عن البشر، فهو يتمنى أن يكون مع حبيبته شريدين في المراعي في البلدان المقفرة كالغزلان السارحة، أو أن يكونا حمامين في مفازة قفر يعيشان عيشة بسيطة مستقرة يتحقق له فيها المأوى الآمن مع من يحب، أو أن يكونا حوتين في بحر.
وفي هذه الأمنيات جميعًا تسرح عيوننا في المساحات الممتدة المفتوحة التي تشكل تعويضًا عن الطوق المجتمعي الذي يعيش فيه، وفيها جميعًا يحصّن الشاعر نفسه وحبيبته من المجتمع الإنساني تارة بالقفر وتارة بالمفازة وتارة ثالثة بالبحر، فكأن هذه كلها صور من الجرب الذي حصّن"كثيّر"نفسه وحبيبته به من الناس. ويغلو المجنون حتى يجاوز كل حدّ في أمنياته فإذا هو يرجو البعد عن الناس بعد الموت كما كان يرجوه قبله! فيتمنى أن يكون هو وحبيبته في قبر واحد معزول عن البشر!! يقول:
ألا ليتنا كنّا غزالينِ نرتعي ... رياضًا من الحَوذانِ في بَلدٍ قفرِ
ألا ليتنا كنّا حمامَيْ مفازةٍ ... نطيرُ ونأوي بالعشيِّ إلى وَكْرِ
ألا ليتنا حوتانِ في البحر نرتمي ... إذا نحن أَمسينا نُلَجِّجُ في البحرِ
ويا ليتنا نحيا جميعًا وليتنا ... نصير إذا متْنا ضجيعينِ في قبرِ
(1) ديوان كثير:161 نعزب: نبعد في المرعى عن الحي. العر: الجرب. البكرة: الناقة الفتية.الهجان: الكريمة. المصعب: الفحل من الإبل.