فهرس الكتاب
إن حصار المجتمع كان كما نؤكد دائمًا أبرز من كل حقيقة أخرى وأقوى من الحب نفسه، ويكاد يكون مقابلًا للحياة نفسها. وليس أدلّ على حصار المجتمع، ورقابته الصارمة، ورفضه لهذه التجارب العاطفية من هذه الأمنيات البائسة الغريبة التي باح بها هؤلاء الشعراء، فكشفت عن رغبتهم العميقة في البعد عن المجتمع والإفلات من رقابته وحصاره، كما أكدوا بها فكرة إحصان المرأة ومنعتها، وغذّوا الإحساس العام بأنها مصونة محتشمة لايمكن أن تكون إلا في حماية، فليس يستطيع أي لسان أن ينال من عزها وشرفها في محيط أسرتها وقبيلتها ومجتمعها.
ولنبدأ بأمنية"كثير"التي تعبّر تعبيرًا قويًا عن موقفه من المجتمع، ونفوره منه، ومخاصمته له ولكنها خصومة سلبية لا تملك الرفض أو المواجهة، بل تلوذ بالهرب منه برفقة الحبيبة. فهو يحسد الحيوانات في مراعيها لأنها متروكة وشأنها، ويتمنّى أن يكون هو وعزة بعيرين لرجل غني يرعيان القفر بعيدين عن المجتمع، ولعلّ وظيفة"الغني"ههنا ألاّ يلحَ هذا الغني في طلبهما، فيعيدهما إلى جوار الناس، بل هو يتمنى أن يكونا أجربين كي يضمن نفور الناس منهما وابتعادهم عنهما، ويوغل في الفرار من المجتمع حين يتمنى أن يرجمهما الناس بالحجارة إذا حملتهما مرارة العطش على الاقتراب من منهل ماء يملكه بعض الناس!! ثم يسرف في الأمنية ويحتمل الطرد والضرب والعطش على أن يكونا قريبًا من البشر الذين يهرب منهم آخر المطاف!
إنه حصار المجتمع الذي دفع بالشاعر إلى هذه الأمنية القاسية، فإذا هو يفضل عالم البهائم على عالم البشر، بسبب ما يسود هذا المجتمع من قوانين أخلاقية وعرفية جائرة. يقول:
ألا ليتنا يا عزُّ كنا لذي غنىً ... بعيرينِ نرعى في الخَلاء ونعزُبُ
كِلانا به عَرٌّ فمن يَرَنا يقُلْ ... على حُسنِها جَرباءُ تُعدي وأَجربُ
إذا ما وردْنا منهلًا صاحَ أَهْلُهُ ... علينا فما ننفكُّ نُرمى ونُضْرَبُ