فهرس الكتاب
وأَوعدَني فيها رجالٌ أَبرُّهُمْ ... أبي وأبوها خُشِّنَتْ لي صدورُها [1]
أو كما في قول توبة بن الحميّر صاحب ليلى الأخيلية:
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى تبرقَعَتْ ... فقد رابني منها الغداةَ سفورُها [2]
وينبغي أن أنصّ هنا على أنَّ د/عبد القادر القط قد أشار إلى هذه الملاحظات وقال فيها قولًا طيبًا يستحق التنويه به قال:
"نحن إذًا أمام مجتمعٍ شديد"المحافظة"تتحجب فيه المرأة عن الرجل، وتلقي على وجهها برقعًا إذا لقيت رجلًا من غير أهلها"وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت"يضطر فيه المحبون إلى أن يظهروا غير ما يبطنون، ويبدوا البغضاء لمن يحبون حتى يجنّبوا أنفسهم عداء الأهل والناس"كلانا مظهر للناس بغضًا وكل عند صاحبه مكين. وهو مجتمع تجري حياة المحبين فيه على تقاليد خاصة مرعيّة، فما ينبغي لمن يحب أن يذيع أمره بين الناس، ولا أن يقول شعرًا في صاحبته يشيع بينهم، وإلا كان قد ألحق العار بصاحبته وأهلها وقبيلتها جميعًا، وحقَّ عليه أن يحرم منها إلى الأبد، وأن يستباح دمه إذا هو تعرّض لها بعد ذلك...
إلى أن يقول:
"وهكذا تقوم بينه وبين المجتمع خصومة تدور على المواجهة والتحدي، يستعين المجتمع فيها بالسلطان، ويحتمي فيها المحب بالشعر معتزًا بما يرى أهل صاحبته أنه قد جلب العار عليهم" [3] .
وإذا كانت الإشارات السابقة صريحة الدلالة على طبيعة المجتمع المحافظ، ونفور الشاعر منه، وخصومته له، فإن في الشعر العذري ظاهرة أخرى تدل هذه الدلالة نفسها إذا حاولنا تفسيرها بقليل من التأمل والتريث. وهذه الظاهرة هي"ظاهرة العطش واشتهاء الرِّي". فقارئ هذا الشعر يجد هؤلاء الشعراء عِطاشًا تقتلهم مرارة العطش والماء أمامهم لايقوون على الوصول إليه لأن السبيل إليه سبيل مهلكة كما نجد في شعر كثيّر عزة، يقول:
(1) المصدر السابق: 146.
(2) ديوان ليلى الأخيلية: 21.
(3) في الشعر الإسلامي والأموي: 84.