فهرس الكتاب
إنّي وإيّاك كالصادي رأى نَهَلًا ... وعندَهُ هُوَّةٌ يَخشى بها التلفا
رأى بعينيهِ ماءً عزَّ مورِدُهُ ... وليسَ يملِكُ دونَ الماءِ مُنْصَرَفا
لقد جفّ ريق"كثيّر"وامتلأ فمه بمرارة العطش، والماء قاب قوسين أو أدنى منه، ولكن السبيل إلى ذلك الماء مملوءة بالمخاطر، والشاعر يخشى على نفسه الهلاك إذا حاول أن ينقع غلّته من هذا الماء!! هل أسرف في التأويل إذا ظننت هذه الهوة التي يخشى الشاعر اجتيازها هي رمز للمجتمع، وأن هذا الماء هو رمز للحبيبة، وأن الصورة توحي بالذعر من الناس؟
وإذا كان"كثير"يرمز ولا يصرّح، فإن"جميل بثينة"يقرن الرمز بالتصريح، فيشير إشارة واضحة إلى الأعداء الذين حالوا دونه ودون الماء، أو دونه ودون الحبيبة. يقول:
وما صادياتٌ حُمْنَ يومًا وليلةً ... على الماء يَخْشَيْنَ العَصِيَّ حَوَاني
لواغِبٌ لا يَصْدُرنَ عنه لوجهةٍ ... ولا هنَّ من بَرْدِ الحياضِ دَواني
يَرَيْنَ حَباب الماء والموتُ دونَهُ ... فهنَّ لأصواتِ السُقاةِ رواني
بأكثرَ مني غُلّةً وصبابةً ... إليكِ ولكنّ العدوَّ عراني [1]
ونحن نجد حقًا بعض هذه العناصر العذرية مبثوثة في أرجاء متفرقة من غزل جرير وغيره من شعراء الحضر ولكن هذه العناصر لا تستفيض في أشعارهم استفاضتها في الشعر العذري.
(1) ديوان جميل: 205 الصاديات: العطشى. حواني: منعطفة على الماء رغبة الشرب منه. اللواغب: ج.لاغبة: وهي الضعيفة. الرواني: ج رانية وهي التي تديم النظر في سكون أي تستمع إلى أصوات السقاة. الغلة: شدة العطش وحرارته. عراني: ألم بي.