فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 373

وضمن هذا التحول الاجتماعي الكبير في العلاقة بين الرجل والمرأة في المجتمع الأموي راح الشعراء ينظرون إلى المرأة، ويحسبون الحسبة الطويلة في تصويرها وتناولها، فتراوحت معانيهم بين المعاني الأخلاقية الموروثة والسائدة في المجتمع، والتي جاء الإسلام فأكدها من حياء وإباء وعفة وبعد عن الفحش ومواطن الريبة. وابتعد الشعراء قليلًا عن العكوف في معبد الجسد، وانصرفوا إلى تصوير مشاعرهم وأحاسيسهم بعيدًا عن محاور الفتنة والإغراء. على نحو مالاحظ د.وهب رومية عندما تحدث عن المقدمات الغزلية في العصر الأموي فرآها"تفصح عن ذوق حضاري جديد يغاير الذوق الإحيائي القديم، ويفترق عنه، فنحن لانجد في هذه المقدمة سوى اليسير من الحديث عن مفاتن الجسد، فكأن الحضارة كفت الرغبة الجامحة في النفوس عن الصهيل، وهذبت الأحاسيس والمشاعر، فراح الشعراء يصورون وجدهم الشديد، ومايستشعرونه من الأشواق والمواجع، ومايعتريهم من مرارة اليأس، وما يزدهيهم من بروق الأحلام والأماني، وصار الغزل حديثًا عن العواطف والأحاسيس ومعاني الحب بعد أن كان عكوفًا في معبد الجسد" [1] .

لقد التفت الشعراء إلى أخلاق محبوباتهم، وصوروها كما أحبوا أن يروهن ضمن أخلاقيات المجتمع السائدة، فبدت النساء حييات على قدر كبير من العقل والحصانة والتمنع، وأبرز من ألح على إظهار هذه المعاني الشعراء العذريون، فعزة في رأي كثيّر صخرة في صلابتها، لا تكلف نفسها عناء غرامه ومواصلته، بل تبدو مفطورة على البخل والصدود والملل:

كأني أُنادي صخرةً حين أَعرضَتْ ... من الصُمِّ لو تمشي بها العُصْمُ زلّتِ

صفوحٌ فما تلقاكَ إلا بخيلةً ... فَمَنْ مَلَّ منها ذلك الوصلَ مَلَّتِ [2]

(1) قصيدة المدح: 619،620.

(2) ديوان كثير: 95، أعرضت: صدت. الصم: الصماء: الصخرة الصلبة. العصم: الوعول في ذراعيها بياض صفوح: معرضة هاجرة. الوصل: البخل الشديد لاتجود بغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت