فهرس الكتاب
وإن عرارًا إن يكن غيرَ واضحٍ ... فإني أحبُّ الجونَ ذا المنكِبِ العمم [1]
وهذه هي"النوار"تعاتب الفرزدق عندما ولدت له أمة زنجية بنتًا سمّاها مكية وتكنّى بها، وها هي ذي تشكوها إليه غير مرة، ويبدو أن بعض أهله، قد ظاهروها على شكواها وعتابها، فلم تقع هذه الشكوى وذاك العتاب من نفس الفرزدق موقع الرضا، وإنما ينبري يدافع عنها ويبيّن مكانتها في نفسه، وعاطفته نحوها، وحرصه عليها، ويذكر باعتداد وفخر أن ما فاتها من حسب أمها لم يفتها من حسب أبيها وأعمامها وإخوتها يقول:
كنتم زعمتم أنها ظلَمْتكمُ ... كذبتمْ وبيتِ اللهِ بل تظلمونها
فإلا تعدّوا أمَّها من نسائكم ... فإن أباها والدٌ لا يَشينُها
وإنَّ لها أعمامَ صدقٍ وإخوةً ... وشيخًا إذا شئتم تأيَّمَ دونها [2]
وقد يتخذ الشعراء أولادهم دليلًا على حبهم لنسائهم وإيثارهم لهن، فيقع كلامهم من نفوس هؤلاء النساء موقعًا طيبًا جميلًا، على نحو ما فعل الطرماح عندما خاطب زوجه سليمة مؤكدًّا لها حبه عن طريق ابنه صمصام قال:
أصمصامَ إن تشفعْ لأمّكَ تلْقَها ... لها شافعٌ في الصدرِ لم يتبَّرح
إذا غِبْتَ عنا لم يَغبْ غيرَ أنّه ... يَعِنُّ لنا في كلِّ ممسى ومُصْبَحِ
هل الحبُّ إلا أنها لو تجردَّتْ ... لِذّبْحِكَ يا صمصامُ قلتُ لها اذبحي
وإن كنت عندي أنت أحلى من الجنى ... جنى النحلِ أمسى واتنًا بين أجبُحِ [3]
وربما كان هؤلاء الأولاد سببًا في تعزيز مكانة أمهم لدى الشاعر وتمكنها من قلبه وحياته، على نحو ما نرى من أمر الفرزدق وزوجه سويدة، فهو يخاطبها، ويستعرض أمامها مناقبه، ويتحدث عن أولادها حديثًا مشرقًا فتانًا مفعمًا بالحب والحنان والرحمة، ويعلن أن هؤلاء الأولاد هم الذين شدّوا بعد الله حبالها إلى قلبه. يقول:
(1) شرح الحماسة: 280
(2) العقد الفريد: 6/95.
(3) ديوان الطرماح: 101 الجنى العسل. واتنًا: مقيمًا. الأجبح: مواضع النحل في الجبل تعسّل فيها واحدها جبح، يخاطب هنا ابنه.