فهرس الكتاب
فظلالُ السيوفِ شيّبْنَ رأسي ... وطعاني في الحرب صُهْبَ السِّبالِ [1]
ومع ما نراه في شعر الشعراء العذريين من الشكوى المفرطة والبوح الأسيان، فإن شعرهم يكاد يخلو من الحديث عن الشيب، بل هو يخلو حقًا من تصوير مواقف نسائهم منه، لكأن تجاربهم العاطفية المخفقة وحبهم الموؤُد وقلوبهم المتعبة.. قد صرفهم عن التفكير في حياتهم الطبيعية، وبقي شعرهم يتغنى حسراته، ويجتر ذكرياته وآلامه.
ولم يكن شعراء الخوارج الذين وقفوا عمرهم وفنهم لعقيدتهم أقل انصرافًا من العذريين عن حديث الشيب وموقف نسائهم منه، فليس في أشعارهم ما يكشف عن هذه المشكلة التي طالما توجع منها الآخرون.
إن الشعراء العرب توجعوا من الشيب بل هم لم يتوجعوا من أمر كما توجعوا من الشيب وصروف الزمان، وما أكثر ما اقترن هذا التوجع بذكر النساء!
وما أكثر ما تمنى الشعراء لو كانوا يملكون زمام الدهر، إذًا لوقفوا به حيث يحبون له أن يقف، أيام كانوا فتية مغامرين يصبون العذارى، ويصيبون من اللذاذة ما يشاؤون. ولكنها أمنيات تذروها رياح العمر العاصفة فتتبدد!
ولم يكن الشيب مقصورًا على الرجال، ولم يكونوا وحدهم أغراضًا لصروف الزمان، فقد شركتهم النساء فيما شكوا منه وتوجّعوا. فكيف كان الأمر حين عمّم الشيب رأس المرأة وبدت طاعنة في السن؟ كانت اللوحة الشاملة لهذا الموقف شديدة المفارقة والحساسية. فقد وقف الشعراء يتأملونها وقد بدت عجوزًا يسربلها خجل حزين لا تملك له دفعًا أو منصرفًا.
وراح كل منهم يتفنن في رسم صورتها ساخرًا بها، داعيًا للنفور منها، ناصحًا النصائح المجانية لرفاق جنسه بالابتعاد عنها واتقاء شرها.
لقد رأيناه عندما كبر وسخرت منه يتهمها بالظلم ويظن بأخلاقها وعقلها الظنون، وها هو ذا الآن يفعل ما كان ينكره عليها نكرانًا شديدًا، فما حقيقة موقفه إذًا؟
(1) المصدر السابق: صهب كأنهم عجم وله في قـ 48 فخر بشيبه ويذكر أنه لا يداريه.