فهرس الكتاب
صريع هوىً ما يبرح العشقُ قائدي ... لِغيِّ فلم أعدل عن الغي معدلا [1]
وليس يزيده لومها وإنكارها لما هو فيه من التصابي وطلب لذات الشباب إلا اندفاعًا في سبيل اللّذة وإقبالًا عليها غير محتفل بما تقول، بل غير محتفل بما ينبغي أن يفرضه عليه الزمن من الرصانة والوقار:
تلك عِرسي تلومُني في التّصابي ... ملَّ سمعي وما تَمَلُّ عتابي
أَهْجَرَتْ في الملامِ تزعمُ أنّي ... لاحَ شيبي وقد تولّى شبابي
أن رأتْ روعةً مَنْ الشيبِ صارتْ ... في قَذالي مبينةً كالشهاب
قلتُ مهلًا فقد علمتِ إبائي ... منكِ هذا وقد علمت جوابي
ليس ناهيَّ عن طلابِ الغواني ... وخْطُ شيبٍ بَدَا ودْرِسُ خضاب [2]
ويشكو عمرو بن أحمر الباهلي ما رأى من استخفاف زوجه به وإزرائها عليه عندما رأت شيبه وقد استيقظ شبابها ومرحت وجالت متباهية، يقول:
زعمتْ غنيَّة أنَّ أكثرَ لمَّتي ... شيبٌ وهانَ بذاك ما لم تزددِ
لما رأتْ عُرُبًا هجائنَ وسْطها ... مرِحَتْ وجالَتْ في الصراخ الأبعد [3]
ولم تكن زوج ابن قيس الرقيات أخف وطأة على نفسه من الزمن فهي تهزأ به، وتسخر منه فيما لا يد له فيه، فقد وخط الشيب رأسه وعلا ذؤابته، يقول منكرًا من أمرها ما يرى:
هزئت أن رأت بيَ الشيبَ عِرسي ... لا تلومي ذؤابتي أن تَشيبا [4]
ثم يبين لها أن ما صار إليه إنما كان بسبب بسالته في الحروب، ومطاعنته الأعداء، فكأنما هو ينكر كبر سّنه، ويعتذر عما صار إليه لو كان عذر ينفع!!
إن تَرَيني تَغَيَّرَ اللونُ منيّ ... وعلا الشيبُ مفرِقي وقذالي
(1) ديوان العرجي: 71-72
(2) المصدر السابق: 114-115 أهجرت: استهزأت. الروعة: المسحة والعلامة القذال: جماع الرأس من مؤخره. الشهاب: الشعلة الساطعة. ناهي: زاجري.
وخط المشيب: اختلاط البياض بالسواد:درس الخضاب: نصوله وانكشافه.
(3) شعر عمرو بن أحمر الباهلي: 51
(4) ديوان عبيد الله بن قيس الرقيات 108.