فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 373

لقد أكثر الشعراء من الإشارة إلى موقف الأنثى عامة -زوجة كانت أو فتاة- ونفورها من الرجال عندما يصبحون في سن تدل عليها ألوان شعورهم. ولا يملك الشاعر إلا أن ينظر إلى نفسه فيرى أن الدهر الذي غيرّ الناس قبله قد غيّره أيضًا، فيلقي على هذا الدهر أثقاله ومواجعه، أو نراه يكثر من الالتفات إلى الوراء، إلى الزمن الماضي يوم كان صغيرًا حدثًا يضفي على أناسه النضارة والحيوية. ولا تدع المرأة هذا الأمر يفلت من قبضتها أو يمر على غفلة منها، فإذا هي تذّكر زوجها بما حلّ به وتنهاه عن التصابي وتلومه على التفتي والمغامرة. ويصور لنا الفرزدق موقف"النوار"منه بعدما كبر وكيف تتجنى عليه وتكثر من لومه، وهو لا يستطيع أن يدفع عن نفسه لأنه يعرف ما وراء ملامتها، ولا يستطيع أن يرد عن نفسه الشيب أو الكبر يقول:

رأيتُ نوارَ قد جَعَلتْ تَجنَّى ... وتُكْثُر لي الملامةَ والعتابا

وأَحدثُ عهدِ وُدِّكَ بالغواني ... إذا ما رأسُ طالبِهِنَّ شابا

فلا أستطيعُ ردَّ الشيب عني ... ولا أرجو مع الكبرِ الشبابا [1]

وفي الفعل"تجنى"ما يكفي من الإشارة إلى براءته مما تنسبه إليه.

وفي حوار جميل بين جرير وأحد أزواجه ينقل لنا إنكارها لما هو فيه ودعوتها له للكف عن الصبابة، فيجيب بانكسار يفضح عدم قدرته على أن يدفع عن نفسه ما هو فيه، يقول:

قالَتْ بَليتَ فما نراكَ كعهدِنا ... ليتَ العهودَ تجّددَتْ بعدَ البلى

أأُمامَ غيَّرني وأنتِ غريرةٌ ... حاجاتُ ذي أربٍ وهمٌ كالجوى

قالت أمامةُ ما لجهلكَ مَالَهُ ... كيف الصبابةُ بعدما ذهبَ الصِّبا

رأت أمامةُ في العِظام تحنّيًا ... بعد استقامتِها وقصْرا في الخطا

ورأت بلحيَيْهِ خضابًا راعَها ... والويلُ للفتياتِ من خضْبِ اللحّى [2]

ويقول العرجي:

رأتني خضيب الرأس شمرّت مئزري ... وقد عهدتني أسود الرأس مسبلا

(1) ديوان الفرزدق: 75.

(2) ديوان جرير: 343

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت