فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 373

إن الواقع الشعري يشير إلى أن هذه الفتاة لم تبتعد عن الأسرة وإشرافها التربوي المباشر إلا فيما ندر، إذ كانت دائمًا محاطة (بعيدًا عن الأسرة) بمجموعة من الأتراب والنساء الصديقات أو الجارات، وتكاد صورتها منفردة لا تبدو إلا كحلم في لوحة طيف أو خيال طارئ. وكانت الإشارة إلى الخوف من الأهل والوشاة والرقابة تتضمن تأكيد مسؤولية الأسرة والأهل في حماية الفتاة ورعايتها، والاستمرار في مراقبتها خشية الانزلاق إلى مواطن الشبهات، ومهاوي الخطر والخطيئة.

ويرسم الشعراء صورتين لهذه الفتاة الشابة، فهي مغامرة جريئة، تتحدى وتخطط وتحتال وتنفذ ما تريد، كما تبدو في بيئة المدن الحجازية، وهي خجولة خائفة مترددة لا تستطيع التحرك بعيدًا عن عيون أسرتها إلا بشق الأنفس، كما تبدو في بيئة البادية.

ألم تكن عزة بنتًا غريرة عندما علقها كثّير وهام في حبها، في اعترافه هو:

وعُلّقْتُها وَسْطَ الجواري غريرةً ... وما قُلّدَتْ إلا التميمَ المنظّما [1]

ونراه ينتظر ويتابع نموها، وملاحظته لكل ذلك في قوله من القصيدة ذاتها:

إلى أَنْ دَعَتْ بالدِّرع قبلَ لِداتِها ... وعادتْ تُرى مُنهنَّ أبهى وأفخما

وتكاد صورة عزة البنت لا تفارق خيال كثّير الذي يسترسل بوصف شبابها وملابسها وأخلاقها، يبين كيف أسرعت إلى الاكتمال والأنوثة قبل رفيقاتها:

نظرتُ إليها نظرةً وَهْيَ عاتقٌ ... على حينِ أنْ شَبَّتْ وبانَ نهودُها

وقد دَرّعوها وَهْيَ ذاتُ مؤصدٍ ... مجُوبٍ ولمّا يَلْبَسِ الدِّرعَ رِيدُها [2]

ورقابة الأهل وتدخلاتهم في مصير بناتهم منتشرة على امتداد صفحات الشعر العذري والحضري على اختلاف البيئتين اجتماعيًا وحضاريًا وماديًا.

(1) ديوان كثير: 134

(2) المصدر السابق: 200 العاتق الجارية أول ما تدرك ولم تتزوج، درعوها: ألبسوها الدرع وهو ثوب تلبسه الجارية الصغيرة في بيتها، المؤصد: من الأصدة وهي قميص صغير للفتاة الصغيرة. مجوب: مقوّر الجيب. الريد: الترب أو القرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت