فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 373

كان هذا هو وضع الفتاة في بيئة البادية المحافظة، وقد لاحظ الباحثون هذه الروح المحافظة وعللّوها، فربط الدكتور يوسف خليف بين هذه الروح والتاريخ الاجتماعي للبادية، فقد كانت هذه البادية تعيش في عزلة نسبية عن التيارات الحضرية المتدفقة في مدن الحجاز، وكانت تحيا حياة شبيهة بحياة الجاهلية في اعتمادها على الرعي وتتبع مساقط الغيث ومنابت الكلأ، وفي أعرافها وعاداتها وتقاليدها، وقد ورثت عن الجاهلية النظرة إلى المرأة ثم عزّز الإسلام هذه النظرة، ولهذه الأسباب مجتمعة كان هذا المجتمع محافظًا شديد المحافظة [1]

أما صورة الفتاة في بيئة المدن الحجازية، فكانت تختلف عن صورة أختها البدوية بعض الاختلاف، فهي مثلها واقعة تحت رقابة الأسرة ورقابة المجتمع، ولكنها رقابة أخف وَطْأ، من رقابة المجتمع البدوي، فنحن نرى هذه الفتاة في شعر المدن الحجازية تعشق وتدافع عن عشقها وتراسل وتحتج وتعتب، ولكن كما قلت ظلت رقابة المجتمع بارزة، فهي في معظم الأحيان خارج نطاق الأهل لكنها محاطة بمجموعة من الصديقات فكأنهن يقمن بهذه الرقابة من وراءَ وراء.

وقد كان شاعر الحجاز الأول عمر بن أبي ربيعة حريصًا- على الرغم مما قيل في غزله -وفي كثير من قصصه الغرامية على هذا اللون من الرقابة، وقلّما نرى صاحبته وحدها، بل هي في مجموعة من صديقاتها:

ذكّرتني الديارُ نُعْمًا وأترا ... بًا حِسانًا نواعمًا كالصُّوارِ

آنساتٍ مثلَ التماثيلِ لُعْسًا ... معَ خَودٍ خريدة مِعطارِ [2]

ويقول مصوّرًا الموقف ذاته:

للّتي قالَت لأترابٍ لها ... قطُفٍ فيهن أَنْسٌ وَخَفَرْ

إذْ تَمَشّينَ بجوِّ مُوْنقٍ ... نيرّ النبتِ تغشَّاه الزّهر [3]

(1) في الشعر الأموي: دراسة في البيئات 173

(2) ديوان عمر بن أبي ربيعة: 134

(3) المصدر السابق: 150

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت