فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 373

أجمعت الدراسات الأدبية والتاريخية التي تناولت العصر الأموي على الإشارة إلى ما أصاب المجتمع في العصر الأموي من تطور، أدى إلى تغير في النفس العربية والسلوك الشخصي للأفراد في هذا العصر، فقد دفع الترف والثراء إلى البحث عن اللهو والمتعة في مجالات الحياة المختلفة. ولم تكن الفتوح الإسلامية الواسعة مصدرًا لتدفق الأموال الطائلة وحدها على العرب، بل كانت أيضًا مصدرًا لتدفق عناصر بشرية كثيرة ملأت الدور والمنازل، وحملت هذه العناصر الوافدة معها عاداتها وتقاليد شعوبها وثقافتها، وفرضت ذوقها على أصحاب الدور التي احتضنتها، فكانت الهوة الكبيرة بين العرب وبساطتهم وبين هؤلاء وما يتمتعون به من رقي وتحضر، ولاسيما من ينتمي منهم إلى الحضارتين الفارسية والرومية، وقد وجد العرب في هاتين الحضارتين منهلًا غزيرًا لأفانين الفخامة والأبهة ولكل من يريد الاستمتاع بحياته، ولم يبخل هؤلاء القادمون إلى الأرض العربية ببسط حضارتهم على أصحاب المال والثراء والسيادة. لقد حدث شيء في التاريخ غريب قلّما يحدث فقد كان هؤلاء العرب المسلمون أقلّ حضارة ورقيًا من الأمم التي فتحوا بلادها، ونشروا دينهم ولغتهم وثقافتهم فيها [1] .

(1) حدث مثل ذلك في الحروب الصليبية مثلًا، فقد كان الأوروبيون أقلّ تحضرًا من العرب الذين غزوهم، فأثر العرب تأثيرًا قويًا في ثقافتهم على نحو ماهو معروف وحدث مثل ذلك أيضًا، فقد كان التتار الذين غزوا الدولة العباسية أقل تحضرًا، ولكن ينبغي أن نلاحظ أن التتار والصليبيين لم يستطيعوا البقاء في الأرض العربية كما فعل العرب بالبلاد التي فتحوها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت