فهرس الكتاب
ولذا كانت العلاقة الحضارية بين الطرفين علاقة حوار شاق وطويل على الرغم مما يظهر من سيطرة العنصر العربي على مقاليد الحكم، وتصريف شؤونه، وتوجيه الحركة الاجتماعية وجهة عربية إسلامية. وحقًا لقد تقبلت تلك الشعوب رسالة السماء التي حملها العرب إليها، ولكن القانون الذي يحكم حوار الحضارات في مثل هذه الحال حكم حوار الحضارة العربية الإسلامية والحضارات الأخرى أيضًا، ولم تظهر نتائج هذا الحوار فجأة، ولم تكن سريعة لأن الحوار كان شاقًا وطويلًا وهادئًا وعميقًا كما ذكرت منذ قليل، بل انتظرت عقودًا طويلة ريثما تنضج، ولم يتمّ لها النضج إلا في أواخر العصر الأموي ومطلع العصر العباسي. بيد أننا نستطيع أن نلمح بدايات هذه النتائج وإرهاصاتها المبكّرة منذ العصر الأموي في المدن الحجازية ومراكز الحضارة الأخرى كالكوفة والبصرة وغيرهما من مواطن التحضر التي شهدت حوارًا أواتصالًا مبكّرًا بين العرب وأولئك الوافدين من الشعوب الأخرى.
ولعل العنصر الأول الذي استرعى أنظار الباحثين، ولفتها لفتًا قويًا في هذا الحوار أو الاتصال هو العنصر الأنثوي، فإذا هم جميعًا يطيلون النظر إليه، ويتأملونه ويبنون عليه الأحكام. ولم يخطئ هؤلاء الباحثون فيما فعلوا أو قدّروا، فقد كانت"المرأة"أبرز عناصر هذا الحوار، وأقربها إلى الناظرين.