ثالثًا: أننا بهذه الطريقة نكون قد قضينا على كثير من الشركات والبنوك المحرمة والمعاملات الفاسدة التي ربما استمرت على نشاطاتها وتعاملاتها المحرمة لولا القول بالعفو عما قبضوه مما سلف، بخلاف ما لو قيل لها: لابد لكِ - كشرط من شروط التوبة - أن تُخْرِجِي كل ما قبضتِ بالعقود الفاسدة المحرمة ما دمتِ تعلمين حرمتها وكنتِ عاصية بذلك (32) ، ربما كان هذا في حقها شاقًا، وربما يترتب عليها خسائر مالية ضخمة كانت التزمتها في السابق، وبالتالي يكون هذا عائقًا لها، ومنفرًا عن التوبة، فتحجم الكثير من الشركات عن التوبة بسبب هذا، وهذه نظرة ماراعًا فيها جانب المصلحة الراجحة مقابل المفسدة المرجوحة، قال ابن تيمية: ( ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق ) (33) .
لكن قد يرد على هذه الحال - أعني توبة الشركات والبنوك - إشكال وهو أن توبة الشركات ونحوها عن التعامل بالحرام والفاسد غير متمكنة أو ضعيفة، فهي ليست كالأشخاص والأفراد الذين يملكون أموالهم بأنفسهم فالشركات والبنوك عبارة عن شخصية معنوية قائمة بعدد من الأشخاص، وكل عامل فيها لا يعنيه توبة الشركة من عدمها، فمن التائب فيها؟
ويجاب: بأن هذه طبيعة الشخصيات المعنوية لا يطالب فيها شخص بعينه، وإنما هي قائمة بإرادة الجميع ومتخذي القرار فيها، فإذا كانت الإرادة قائمة من الإدارة ومتخذي القرار فيها كانت هذه الإرادة - وأعني بها التوبة- مقبولة، فهي مثل توبة الفرد والشخص العادي.
ويؤيده إمكانية وجود شرائط التوبة في هذه الشركات والبنوك ونحوها المساهمة، وهي العزم على عدم العود إلى الحرام من ربا وغيره في المستقبل، والإقلاع عنه في الحال، وأن تكون صادقة لا بقصد التلاعب بعقول الناس ونحوه، والندم على ما صدر منها في السابق (34) ، والعزم الجازم على فعل المأمور والإتيان به (35) .