الصفحة 31 من 44

"إننا بحق لم نعد نملك اليوم أي ذاتية تستبين من خلالها منطلقات فكرية أو ثقافية متميزة تحدد معالم وجودنا الحضاري المستقل ... أصولنا الثقافية التي كانت دعامة حضارتنا الإسلامية العظمى ملقاة على رفوف الإهمال بل مرمية في زوايا النسيان وإنما نعكف اليوم على أصول ثقافية أخرى اقتطعناها كما هي من الغرب ففنون التربية وعلوم النفس والاجتماع والأخلاق التي تدرس في مدارسنا وجامعاتنا ليست إلا مجموعة نظريات ومواصفات وضعت تعبيرا عن النظرة الغربية إلى الوجود ودعما لأصول الفلسفة الاجتماعية التي ارتضاها الغرب لنفسه" (10)

غير أننا- في غمرة نشوة الانبهار والتفاعل- لم نفقه الصيغة السليمة للأخذ والرد ولم يدر بخلدنا أننا إذا احتجنا إلى الاستفادة من خبرة الغرب وتفوقه في الصناعات الآلية التي كانت سببا في مجده وسيادته فمن المؤكد أننا في غير حاجة إلى استيراد قواعد السلوك والتربية والأخلاق التي تدل الإمارات والبوادر على أنها ستؤدي حتما إلى تدمير حضارته والقضاء عليها قضاءا تاما في القريب العاجل (11) .

3)على الصعيد المادي أو الشيئي

إن تعاملنا على هذا الصعيد تعامل تجاري -غبي- فنحن نتعامل مع الحضارة كزبائن لا كتلاميذ ? نريد من الغرب المتحضر أن يفتح لنا- بشره- متاجره ومغازاته ويبعثر أمامنا سلعه ومنتجاته بدل أن يفتح لنا مدارسه ويكشف لنا تجاربه ويمدنا بأصول نهضته وتقدمه ويعلمنا تقنياته والياته وبهذه الصيغة- الباهتة- نكون قد حرصنا على جمع أكوام من المنتجات الحضارية اكثر من أن نهدف إلى تشييد حضارة.

"إن علاقتنا بالحضارة الغربية لا تستطيع أن تأتينا بالحضارة طالما يوجد في مجتمعنا من يستورد فرو السيدات الباهظ الثمن وهو في صحراء العرب حتى إذا أراد استعماله جعل داخل القصور مكيفا للهواء في درجة الصفر لتستطيع السيدات استعماله فإن هذا عبث وصبيانية وإتلاف لإمكانيات المجتمع" (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت