ومهما يكن من أمر فإن المسلمين مأمورون بالدعوة بكل حال، وحرية الدعوة أرفق بهم، وأحسن لهم، وأمكن لدعوتهم، ويجب على المسلمين الاستفادة من هامش الحرية المسموح به في أي دولة من دول العالم نشرًا للدين، ودعوة إلى الله، فإذا ركب أعداء الله رؤوسهم ولجؤوا إلى أسلوب فرعون وسياساته فإن هذا لحكمة يريدها الله من البلاء والابتلاء، ولا بد في النهاية أن تحل لعنة الله بالمكذبين، وأن تكون العاقبة للمؤمنين الصالحين: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (الأنبياء:105) .
ونعود فنقول: إن الحزب السياسي، والجمعية الخيرية، والتجمع والنقابة والاتحاد، هذه المؤسسات التي يسمح بها النظام الحر (الديمقراطي) يجب على المسلمين المبادرة إليها، واتخاذها سبيلًا، وطريقًا لنشر دينهم وتمكين عقيدتهم، وتجميع قواهم، وتدريب وتعليم عناصرهم، بل يجب على المسلمين أن يسعوا إلى مثل هذا التشريع الذي يسمح بذلك لو كان النظام القائم لا يسمح له، لأن هذا حق من حقوقهم، بل واجب من واجباتهم، أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يكونوا جمعيات وجماعات، وأحزاب تدعو إلى الله وتنشر دينه، وتعلي كلمته.
ونستطيع أن نستدل من واقع السيرة النبوية جواز استصدار مثل هذه الجمعية أو الحزب أو حتى مجرد الأمان والعهد، والحماية لفرد أو مجموعة بأن تنشر الدين وتدعو إلى الله. وأن استصدار هذا التشريع جائز في ظل دولة كافرة قلبًا وقالبًا، فكيف بدولة تعلن الإسلام في بعض جوانب حياتها. ومما يدل على ذلك:-
* أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من بعض الكفار الحماية ليتمكن من تبليغ دين الله بعد أن منعته قريش وآذته. فقد جاء في (الصحيحين) عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال: [ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم أن عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت] (رواه الشيخان) .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عرض نفسه على كافر ليحميه حتى يبلغ رسالة ربه، فإذا جاز هذا فمن باب أولى -والله تعالى أعلم- أنه يجوز الحصول على إذن بالدعوة إلى الله، وتأسيس مؤسسة هدفها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الدين والخير.
وقد يقول قائل: إن ما حدث للرسول صلى الله عليه وسلم كان شيئًا فردًا عابرًا؟ وهذا خطأ أيضًا، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما فتئ في مكة يطلب من يحميه ليبلغ رسالة الله، فقد عرض نفسه كذلك على"الأخنس بن شريق"، و"سهيل بن عمرو"، فأبيا أن يجبراه ثم لما عرض نفسه على