وأما أن بعض من اشتغل بالسياسة من الدعاة فتنته المظاهر، وتنازل عن بعض الحق، وجامل على حساب الدين، وباع شيئًا من دينه لإرضاء الناس. فالعيب في ذلك ليس في السبيل السياسي ولكن العيب في الأشخاص، وإلا فكثير من علماء الدين قد باعوا دينهم من أجل الدنيا، وأفتوا بما يرضي السلاطين، وأهواء الناس، وكتموا الحق إرضاءً للعامة وحفاظًا على مناصبهم، والعيب ولا شك ليس في المنصب الديني، ولا في المشيخة نفسها، وإنما هو في النفوس والقلوب والتربية السيئة.
ولا يخفى أن كثيرًا من الدعاة المسلمين، خاض التجربة السياسية، وغشي الحكام ونصحهم في الله، وحاول تأسيس الأحزاب الإسلامية، وكان في كل ذلك مجاهدًا صابرًا محتسبًا ملتزمًا. بل المؤمن الحق لا يزيده العمل من أجل الله في أي ميدان من الميادين إلا قوة وعزيمة وإخلاصًا، ووفاءً لدينه، وحفاظًا على حدود الله -سبحانه وتعالى-.
وأما الجمعيات الدينية فلا ينكر فضلها إلا جاحد، فالجمعيات الدينية التي قامت بعد سقوط الخلافة قد جددت شباب الدين، وقامت بتربية الشباب المسلم والدعوة إلى الله، وبناء المساجد، والخدمة العامة في كل صورها تقريبًا، وسدت الخلل الهائل بترك الحكومات للواجبات الدينية فقامت هي بهذه الواجبات ولولا أن الله قيض للدين هذه الجمعيات والمؤسسات الدينية الكثيرة لانتهى الإسلام من الأرض إلا قليلًا.
ولا شك أن الحزب"السياسي"هو مرحلة متقدمة -في العمل السياسي- من الجمعية الدينية، فالحزب السياسي يستطيع أن يقوم بما تقوم به الجمعيات الدينية مضافًا إلى ذلك المشاركة في صنع القرار السياسي أو الوصول إلى صنع القرار السياسي نفسه، وكذلك التشريع، ولا شك أن الحزب السياسي الإسلامي بما له من إمكانيات: إصدار الصحف وتأسيس الشعب، وإقامة المؤتمرات العامة، والدعوة إلى العضوية، وشرح برامجه الإصلاحية، وأهدافه، وعقيدته، يستطيع أن يحطم كل دعوة مخالفة، وأن يستحوذ على سواد الناس، وبالتالي أن يهيمن على القرار السياسي.
والخلاصة: أن هذا الأسلوب من أساليب الدعوة أسلوب تفرضه وقائع الحال، وضرورات العصر، وهو سبيل وإن لم يكن منطبقًا تمامًا على الأسلوب النبوي، إلا أن له من الشواهد والأدلة في عصر النبوة ما يؤيده، ويثبت مشروعيته، والعبرة إنما هي في تحقيق أهداف الرسالة الإسلامية، والوصول إلى تطبيق شرع الله في الأرض وليست العبرة بالوسائل والكيفيات التي تخضع للظروف المتغيرة، والذين يفرضون نفس الوسائل النبوية في تحقيق الأهداف عليهم أن يقولوا بوجوب الدعوة السرية ثم العلنية، ثم الهجرة، ثم الدولة ثم الجهاد .. وهذا ما لا أعلم أحدًا من أهل العلم يفتي به ..