فلا شك أن هذه أساليب مشروعة لممارسة الرسول لها، ولكن قد يبدأ داع دعوته بالعلنية لا بالسرية ولا يكون بذلك مخالفًا نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد لا يضطر إلى الهجرة من بلده إلى بلد آخر، وقد يضطر، وقد يستطيع إقامة الدولة الإسلامية وقد يموت دون تحقيق هذا الهدف، وقد يجد أنصارًا وقد لا يجد، وقد يتحول الحكام بأنفسهم إلى الدين بمجرد الدعوة، وقد يتحولون بتحول الشعوب وسواد الناس ويحكمون بالإسلام حفاظًا على مراكزهم وسلطاتهم، وقد يختارون العداوة للدين وأهله ويطول الامتحان بأهل الدين والدعوة .. فالظروف متغيرة، وبالتالي يجب أن تكون الوسائل متطورة متغيرة والمسلم الداعي عليه أن يسير في حدود المستطاع {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} (البقرة:286) ولا يجوز رفض وسيلة مستطاعة بحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستعملها.
ثالثًا: المصالح والمفاسد هي الأساس والطريق للحكم على الوسائل:
ولا شك أن طريق الحكم على وسيلة ما بأنها صالحة أو لا هو بمقدار ما تحققه من المصالح الشرعية، أو تخلقه من الأضرار والمفاسد. فالنظر في العواقب، وتدبر الأمور، وحساب الأرباح والخسائر الدينية، هو ما يجب النظر إليه، والتعويل عليه. بل إن الوسائل المشروعة نفسها في نشر الدعوة، وحرب الباطل لا يجوز الإقدام والإحجام عن شيء منها إلا بالنظر في العواقب، وحساب الأرباح والخسائر الدينية والشرعية، فالهجرة ليست مطلوبة لذاتها وكذلك الحرب ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما بما تحققانه من مصالح ومنافع للمسلمين كرد عدوان، وكسر عدوان، وفرار بالدين، وتفويت فرصة على الكافرين بخنق الدعوة، وإسكات صوتها، وهكذا تطلب الهجرة لمنافعها الشرعية، وتركب الحرب لآثارها الشرعية ومنافعها العظيمة وخيرها العميم، وما الشر الجزئي الذي يوجد في الحرب والهجرة، إلا تضحيات واجبة في سبيل منافع عظيمة، فهو من باب بذل القليل لحصول النفع الكثير. كما قال تعالى: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة:216) ، وقد أثبت سبحانه أن في القتال حياة للأمة الإسلامية ونشرًا لعقيدتها وتمكينًا لها، وما الشهادة في سبيل الله إلا إتلاف للجزء من أجل حياة الكل وبذل القليل من أجل الحصول على الكثير ولذلك قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} (الأنفال:24) ، وهذا في الدعوة إلى الجهاد، والقتال، فالقتال حياة وإن كان فيه موت وشهادة للبعض إلا أن فيه حياة للكل الباقي.